"العَلمانيّة" و"الإسلام": هل من "تسوية" ممكنة؟ (2).. على سبيل التقدمة

تم نشره في الجمعة 6 أيار / مايو 2016. 12:00 صباحاً

د. نارت قاخون

يُشكّل الخوض في قضايا معرفيّة ذات أبعاد تأصيليّة وتطبيقيّة واسعة زماناً ومكاناً، مصحوبة بتدافع معرفيّ واستقطاب نفسيّ و"أيديولوجيّ" عالٍ في مقال صحفيّ، مغامرة محفوفة بالمخاطر، منذورة بالاستجابة لإغراءات قد توقع الكاتب في اختزال ظاهرة معقّدة مركّبة اختزالاً مُخلاً، فعلى الرغم من أنّ "الاختزال" أو "الإرجاع" منهج علميّ دقيق يهدف إلى تحليل أيّة ظاهرة مركّبة إلى عناصرها، ثمّ تبيّن العناصر الأساسيّة المكوِّنة للظاهرة التي تعبّر عن "الجوهريّ" فيها من العناصر الفرعيّة المكوَّنة التي تشكّل الجوانب "العَرَضيّة" من الظاهرة، والمعبّرة عن التحوّلات والتفاعلات في سيرة الظاهرة وصيرورتها، فإنّ هذا الاختزال المنهجيّ يقع في أخطاء قد تكون كبيرة حين تُعالَج في مقال صحفيّ محكوم بمساحة ضيّقة من جهة، ومحكوم بقرّاء تتفاوت اهتماماتهم ومعارفهم من جهة أخرى، إضافة إلى علم كاتب المقال بموضوع مقاله وحدود تجربته وخبرته فيه.
رغم ذلك، وانطلاقاً من أنّ ما لا يُدرَك جلّه لا يُترَك كلّه، أخوض هنا في قضايا "العلمانيّة" و"الإسلام" كما خضتُ من قبلُ في قضايا أخرى حريصاً على الوفاء بدور "النقد المعرفيّ" الذي يروم التحليل والنقد والمحاورة والمجادلة ساعياً لإثارة الأسئلة و"المشاكل"، من أجل آفاق ومقترحات للإجابة، دون أن أتلبّس دور "الداعية" إلى إجابات بعينها. وهذا الاكتفاء ليس تبخيساً وتسخيفاً لدور "الداعية الفكريّ"، بل تقديراً منّي -باجتهادي وظنّي- لدور "النقد المعرفيّ"، ثمّ انسجاماً مع طبيعة تكويني ومزاجي المعرفيّ والنفسيّ.
أستأنف الكلام في سؤال هذا المقال فأقول: لا يُمكن الحديث عن "تسوية" بين طرفين مختلفين فكريّاً إلا بتحقيق "الإطار المعرفيّ" للخلاف، وبيان نوع الخلاف وحدّته، ثمّ معرفة السياق التاريخيّ والشروط الموضوعيّة التي يقيم فيها الخلاف، واكتشاف الأسباب التي تجعل "التسوية" متعذّرة أو "ممكنة"، وتقدير حسابات الكُلَف والأرباح والخسائر التي ستنتج عن هذه التسوية.
حين يكون "الخلاف" تضاديّاً أو تناقضيّاً فلا سبيل للتسوية في حيّز واحد مشترك؛ فالضدّان والنقيضان لا يجتمعان. حينها لا سبيل لتسوية إلا بوجود طرف ونفي آخر بالضرورة، فإن أراد الطرف الأضعف في سياق الصراع "البقاء"، ورضي الطرف الأقوى بهذا "البقاء"، فعلى "الطرف الأضعف" أن يعيد تشكيل رؤيته وموقفه تشكيلاً ينزع عن مكوّناته المفهوميّة عناصر التضادّ أو التناقض مع "الطرف الأقوى"، ويقبل بالمفهوم الجديد حدّاً ممكناً من حضوره الوجوديّ والمعرفيّ والمجتمعيّ.
وهنا يأتي دور السياقات وتحوّلاتها، أي محصّلة القوى المعرفيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة الفاعلة والمؤثِّرة في تحديد "الطرف الأقوى" و"الطرف الأضعف"، فحين نتحدّث عن "عصر العلمانيّة" في الغرب، فنحن نتحدّث عن سلسلة من السيرورات والتحوّلات فرضت على "الدّين" أن يختار بين "الانزواء والانسحاب" من الحيّز المجتمعيّ بمكوّناته كلّها، والاكتفاء بمعتقدات وطقوس يُمارسها من ما يزال مؤمناً بالدّين في حيّز شخصيّ محدود، أو "الانسحاب الجزئيّ"، والقبول بمعادلة "الفصل بين الدولة والدين"، أو "الدين والسياسة"، كما تجلّى هذان الاختياران في مواجهة "العلمانيّة الفرنسيّة" أو التسوية مع "العلمانيّة الأنجلو ساكسونيّة".
إذن هي خيارات تاريخيّة سياقيّة فرضها واقع اجتماعيّ مؤسَّس على تحوّلات اقتصاديّة، يصبح لفئة تملك "الكتلة الحرجة الاقتصاديّة" مقاصد سلطويّة تدفعها لنزع سلطة تكافئ مصالحها، وتضمن وجودها ونماءها، وهذا النزاع أدّى إلى وجود طبقة سياسيّة متحالفة وضامنة لمصالح هذه الفئات، تدخل في صراع مع السلطات السياسيّة القائمة وحلفائها وضامني سلطتها من أنساق فلسفيّة ودينيّة ومجتمعيّة.
وهنا كان "الدين" بسلطته وسلطة رجاله جزءاً من الصراع، فتحوّل إلى حليف السلطة الناشئة مقابل السلطة القائمة القديمة كما في "الكالفينيّة" و"اللوثريّة" و"الإنجيليّة" في شمال أوروبا التي تفاعلت "البروتستانتيّة والطبقة الرأسماليّة" الناشئة للدفع نحو تفكيك "النماذج القائمة" لصالح "نماذج جديدة" تبدأ من نظرة الإنسان إلى الكون والحياة، ولا تنتهي عند الموقف من "السلطة الدّينيّة والسياسيّة". في المقابل، اتّخذت الكنيسة الكاثوليكيّة موقف التحالف "التكتيكيّ" مع "السلطة القائمة" في مواجهة محاولات إحلال "النماذج الجديدة". ونتيجة لهذه المواقف المختلفة والسياقات الفلسفيّة والنفسيّة والحواضن المجتمعيّة تحدّدت خيارات العلمنة بوصفها إطاراً فكريّاً وإجرائيّاً يضمن للطبقات الاقتصاديّة والسياسيّة الناشئة حيّزها السلطويّ، وتشكّلت به طبيعة الصراع وأدوات الإصلاح، ففي حالة تحالف "رؤية دينيّة" مع القوى الناشئة يصبح "الإصلاح الدينيّ" مطلباً مشتركاً بين السلطة السياسيّة والسلطة الدينيّة الناشئتين، وتصير "السلطة الدينيّة التقليديّة" و"السلطة السياسيّة القديمة" عدوّاً مشتركاً، فيقبل "الطرفان السياسيّ والدّينيّ" الجديدان المتحالفان تسوية "علمانيّة" قائمة على إعادة موضعة الدين في المجتمع أو إعادة توزيع القوى وخطوط الاشتباك، بوصف "القوّة السياسيّة والاقتصاديّة" الطرف الأقوى في معادلة التسوية، ولكن ليس له مصلحة حقيقيّة في إلجاء "حليفه الدّينيّ" إلى "الإقصاء" و"الإفناء". بينما تتجه معادلة "العلمنة" في حالة تحالف السلطة الدينيّة مع السلطة القائمة القديمة التي فقدت قدرتها على البقاء وضمان مصالح الفئات الناشئة إلى صراع إزاحة ونزع وجود للسلطة الدينيّة بل للدين نفسه.
هذه ملامح لسياقات العلمنة نماذج ومآلات في ظلّ سيرورة الخبرة الغربيّة، فهل تتحقّق في سياقنا الإسلاميّ شروط وحواضن تجعل "العلمانيّة" ضامنة لمصالح فئات سياسيّة واقتصاديّة "موجودة" وفاعلة مؤثِّرة تدفع "الدين" للاختيار بين "التسوية" و"الإقصاء"؟
هل تحضر في واقعنا العربيّ والإسلاميّ عناصر البنية السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تجعل سؤال "العلمانيّة" بوصفه سؤالاً معرفيّاً ثمّ إجرائيّاً تطبيقيّاً لدخول "عصر العلمانيّة"، مطلباً ضروريّاً للخروج من الأزمات؟
قد تكون الإجابة عند بعضهم: نعم. ومنطلقهم قياس النجاحات وتعدية النماذج من سياق إلى سياق؛ فالغرب تقدّم وتطوّر حين دخل "عصر العلمنة"، فمن أراد "التقدّم والتطوّر" فليس له إلا هذا السبيل! وفي هذا المستوى من الإجابة تُطرح "العلمانيّة" وكلّ ما يرافقها من منظومة معرفيّة وإجرائيّة كـ"الحداثة" و"التنوير" و"العقلنة" و"الديمقراطيّة" و"المواطنة" بوصفها مفاهيم "عابرة للسياقات" قابلة "للاقتباسات".
وهذه الإجابة "مخاتلة"؛ فهي تبدو "سطحيّة" تمكّن رافضيها من وصف أصحابها بالمغلوبين المهووسين بتقليد الغالب، أو المتّبعين المقلّدين سَنَن الآخرين حذو القذّة بالقذّة، المنسلخين عن "دينهم وهويّتهم"!
ولكنها يُمكن أن تكون إجابة أعمق من ذلك، حين يقدِّمها أصحابها بوصفها إجابة حضاريّة ضروريّة تتجاوز سياقات نشأتها إلى فضاء الخبرة الإنسانيّة بما تقوم عليه من بؤرة كون "الدّين أيّ دينٍ مقترَحاً اختياريّاً لا إلزاميّاً لا يشكّل شرطاً لاستيفاء الحقوق والواجبات في الفضاء الدّنيويّ، وهذه البؤرة ترتكز على ركيزتين: "الفصل الواجب بين الدّينيّ والدّنيويّ"، و"توسعة فضاء الوجود المجتمعيّ والسياسيّ والإنسانيّ والفكريّ والدينيّ وحقوقها ليشمل هذا الحيّز "المؤمن بالدّين العام الغالب" و"المؤمن بأديانٍ أخرى بغض النّظر عن أسمائها"، أو "المؤمن دون دين"، و"غير المؤمن بدين"، فتكون "الدولة" و"المجتمع" فضاء لكلّ هؤلاء يتأسّس موقفهم على خيارات حرّة، ويجمعهم مفهوم "المواطنة" الذي يتأسّس على معادلات العدل والمساواة في الحقوق والواجبات.
هنا يُمكن تقديم "العلمانية" بوصفها خياراً فكريّاً يُمكن القبول بمكوّناته التأسيسيّة، ثمّ التفاوض في عناصره الإجرائيّة وفق سياقات الراهن التاريخيّ.
ولكن كلمة "هنا" هذه لا تصحّ إلا بعد القبول بهذه البؤرة وركيزتيها أولاً، ثمّ التحقّق من أنّ واقعنا يحتاج هذا القبول، ويملك الحدود الدنيا من الشروط التاريخيّة ليتحوّل من "صراع شُرفات" إلى "صراع آفاق تقوم على مصالح واقعيّة حقيقيّة".
والذي أراه أنّ النقاش والجدل في هذه المكوّنات التأسيسيّة دون أن تكون الشروط التاريخيّة التي تجعل ضامنة للمصالح العامة، حاضنة للقوى الاقتصاديّة والسياسيّة والمجتمعيّة الواقعيّة والفاعلة والساعية إلى المنافع المشتركة يظلّ حبيس "الشُرفات"، ولكن باستعارة معنى "الاستشراف" من "الشُرفة"، يُمكن أن يصير هذا الجدل المعرفيّ إسهاماً في تأسيس مناخ معرفيّ وثقافيّ قد يدفع بالشروط التاريخيّة، أو يكون حاضراً جاهزاً حين تصل هذه الشروط مرحلة "التحوّل الحرج"، وهذا ما سأتحدّث عنه في المقال المقبل تحت عنوان "التأسيس المعرفيّ للعلمانيّة بين الامتناع والإمكان والضرورة".

التعليق