جمانة غنيمات

درب المعرفة

تم نشره في الجمعة 13 أيار / مايو 2016. 11:10 مـساءً

على صفحتها بموقع "فيسبوك"، كتبت الرئيسة التنفيذية لمؤسسة عبدالحميد شومان، فلنتينا قسيسية، عن تجربتها في إعادة إحياء مكتبة الأطفال التابعة للمؤسسة، لاسيما أن إرهاصات التجربة، قبل عامين ونصف العام، قد جوبهت برفض من كثيرين، حدّ وضع عراقيل في الطريق إلى إنجازها.
الحجج لوأد الفكرة كانت متعددة. منها؛ أن الأطفال سيمزقون الكتب، وسيكون بينهم من يخرب المكتبة ويدمر أثاثها ومحتوياتها. كما ظن فريق آخر أن الأطفال لن يقدموا على فكرة القراءة؛ إذ نحن شعب لا يقرأ!
وهناك من سعى إلى إجهاض المشروع مبكرا عبر التأكيد، عن قناعة أو سواها، بأن المكتبة ستغدو محض ملاذ لأهالٍ يبحثون عن الراحة من عبء أطفالهم، بأن يتركوهم هناك لقضاء الوقت فحسب من دون السؤال عنهم؛ فالقراءة لم تعد تقنع الأولاد كما ذويهم -بحسب أصحاب هذه الحجة- بأنها مصدر للتعلم والتثقف.
اليوم، ونقيضاً لكل السوداوية المتخيلة أو المختلقة في الذرائع السابقة، بدأت مكتبة الأطفال بمؤسسة عبدالحميد شومان تؤتي ثمارها، متمثلة في غرس حب القراءة والمعرفة لدى أطفالنا. إذ بحسب جردة حساب بسيطة، أوردتها قسيسية، تمت إعارة 17500 كتاب خلال أربعة أشهر؛ ولدى إدارة المكتبة قائمة طويلة من الأطفال الأعضاء بلغ عددهم نحو 5700 طفل، فيما يزور المكتبة حوالي 2000 طفل شهرياً، مع مشاركة آهالٍ كثر أطفالهم أوقات القراءة.
"درب المعرفة" هو الاسم الذي أُطلق على مكتبة الصغار، وفي الاسم دلالة كبيرة؛ فلا معرفة ولا ثقافة من دون القراءة. وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه المبادرات التي تغني عالم الأطفال، وتسلحهم بالعلم ليكونوا قادرين على المضي في الحياة التي بات من لا يملك في خضمها سلاحه بيده، ولاسيما سلاح العلم، يسقط على حوافها وقد يفقد الفرصة على النجاة من قسوتها.
أيضاً، وفيما نحن نواجه حالياً الفكر الظلامي والتطرف، فإنه يظل الأساس الأول للمعركة فكرياً؛ بأن نحصّن الأجيال الصاعدة من هذا الفكر. وبغير المعرفة، يسهل سقوط أطفالنا وشبابنا في أيدي الإرهابيين من أصحاب الفكر الأسود، ممن يستغلون فراغ عقول النشء، كما الأكبر سناً، لحشوها بكل تطرفهم.
ولأن المعركة فكرية معرفية وثقافية، فإن ضمان النصر يحتاج إلى أكثر من منبر معرفي، من خلال أكثر من مبادرة، تمثل السياج الذي يحمي الأجيال الشابة من التطرف، وتكون في الوقت نفسه جسراً إلى آفاق العلم اللامتناهية على امتداد العالم الذي نتشاركه مع سوانا من البشر.
وكون القراءة هي السبيل لمعرفة الآخر والاطلاع على ثقافاته واحترامها، يكون بدهياً أن وجود "دروب معرفة"، كالذي تحتضنه مؤسسة عبدالحميد شومان، يعني توفير السلاح الأهم والأمضى في معركتنا المصيرية ضد الجهل والتخلف والتعصب، لاسيما أن نظرة إلى أدواتنا الحالية، تؤكد أنها أدوات قاصرة عن تمكيننا من الصمود، ناهيك عن تحقيق النصر! فمناهجنا معطِّلة للعقل والمنطق، ومكتباتنا مغلقة.
نحتاج إلى "درب للمعرفة" في كل مدينة ولواء وقرية، بل وحتى في كل حي. فالقراءة ليست ترفا يمارسه المثقفون والمفكرون فقط، وإنما هي حاجة وطنية، وقبل ذلك حق إنساني. ومن حق أطفال الأردن أن تكون لهم مكتباتهم التي تغني عقولهم وتثري تجربتهم.
وإذ نعرف أن الإمكانات الحكومية محدودة، فإن أي مبادرة مجتمعية، صغر حجمها أم كبر، لأفراد ومنظمات مجتمع مدني وشركات في القطاع الخاص، ستساهم في تأهيل أجيال تقدر على المضي بقوة إلى المستقبل، فتواصل إعمار الوطن وصونه.
مبادرة "درب المعرفة" التابعة لمؤسسة عبدالحميد شومان تجعلنا نغني مع فيروز "إيه في أمل".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نحن أمة اقرأ (مرام)

    الاثنين 16 أيار / مايو 2016.
    أول آية نزلت على الرسول صلوات ربي عليه وسلم (اقرأ) وما تقدمت الحضارة الاسلامية ورفدت من العلوم كله الا من نتاج القراءة والبحث والتفكير فكان حقاً أن تلقب تلك الحقبة بالعصر الذهبي، ولكننا الآن للأسف نحن أمة اقرأ دون تطبيق، كم أتمنى أن تكون هناك مكتبة بكل ركن من قرية او مدينة للكبار والصغار وان كان مستحيلاً فليتكم تطبقون فكرة وجود مكتبة متنقلة تجوب كل الأردن بحيث يكون لكل قرية فترة معينة تتواجد بها المكتبة ليستفيد الجميع، شكراً فالنتينا قسيسية وشكرا لكاتبة المقال جمانة غنيمات.