جميل النمري

هجر الاسم والتاريخ

تم نشره في الاثنين 16 أيار / مايو 2016. 12:08 صباحاً

أمس أغلقت وزارة الداخلية مقر الإخوان المسلمين في وسط البلد، وهو المقر التاريخي الذي صمدت يافطته الخضراء العتيقة أمام عوامل الزمن وتقلباته السياسية والاجتماعية، وحتى العمرانية الجمالية، التي بدلت وسط العاصمة جذريا.
هل يحمل الحدث الدلالة الرمزية لنهاية حقبة وطي صفحة؟ طبعا الأمر ليس كذلك بالنسبة للقيادة الإخوانية التي كانت قبل يومين تزور سلحوب مستضافة من عدد من أبناء إحدى عشائر بني حسن، وألقيت كلمات تقول إن إغلاق مقرات "الإخوان" لا تعني شيئا أبدا؛ فـ"القلوب هي مقرات الإخوان". وفي الأثناء، كان وفد من مبادرة "زمزم"، برئاسة د.رحيل غرايبة القيادي الإخواني السابق، يزور الهاشمية في ضيافة أبناء عشيرة أخرى من بني حسن، ليتحدث عن فكر حزب جديد يحمل كل معاني القطيعة مع الفكر الإخواني، بل والإسلام السياسي.
ليس ضروريا أن تصل القيادة الإخوانية الحالية إلى ما وصلت إليه "زمزم" بالنسبة لعلاقة الدين بالعمل السياسي والحزبي. لكن هذه القيادة تكابر فقط إن هي اعتقدت أنها تستطيع الاستمرار بالصيغة القديمة (الخلط بين الدعوي والسياسي) التي قام عليها بناء "الإخوان" تاريخيا في مصر ثم في بقية البلدان، واستمرت في الأردن حتى بعد التحول الديمقراطي وإنشاء حزب جبهة العمل الإسلامي؛ حيث بقيت الحالة الملتبسة لوجود الجماعة إلى جانب الحزب.
الامتياز الذي ظلّ قائما لأكثر من سبعة عقود؛ بالعمل تحت صيغة ملتبسة، انتهى. وأمام الجماعة حل واحد، هو الاندماج في "جبهة العمل الإسلامي"، وتستطيع -إذا شاءت- ترخيص جمعية خيرية أو غير ذلك لدى وزارة التنمية الاجتماعية وفقا لقانون الجمعيات. لكن الوزارة لا تستطيع حتى إعطاءها اسم "الإخوان المسلمين"، لأن جناح د.عبدالمجيد الذنيبات سبق وأخذ الاسم للجمعية التي صوبت أوضاعها ورخصت نفسها وفقا لقانون الجمعيات بهذا الاسم. لكننا نعرف أن هذا الاسم لا يعني لها الكثير، وقد يصبح عبئا من التاريخ لا تحتاج الحفاظ عليه. أما الجماعة، فهي أيضا تتوهم إذا تشبثت بالاسم؛ فالزمن تغير، والإرث الطويل -بما له وما عليه- أصبح تاريخيا لا يخدم التعامل مع المرحلة الجديدة. فالإخوان حركة لم تعد تنتمي للحاضر والمستقبل؛ الحاضر الذي استولت فيه الحركات الإرهابية المتطرفة على الأيديولوجيا الدينية، والمستقبل الذي لا يحتمل استمرار خلط الدين بالسياسة والسلطة.
سيكون صعبا على الجيل الموجود في قيادة الجماعة هجر الاسم والصيغة الحميمة التي نشأوا فيها ولأجلها لعقود. وأذكر قصة طريفة من تاريخ الحزب الشيوعي الإيطالي، وكان أضخم حزب شيوعي خارج الحكم في العالم، وله تاريخ هائل من النضال والتضحيات، وخصوصا المقاومة المسلحة للفاشية. إذ وصل عدد المصوتين له أواخر السبعينيات إلى 33 % من الناخبين. ثم في الثمانينيات، ذهب الحزب بعيدا في المراجعة السياسية مبتعدا عن الأيديولوجيا الشيوعية ومستبقا حتى "بيروسترويكا" غورباتشوف؛ فقرر الأمين العام الجديد ماسيمو داليما، أن الوقت حان لخلع الاسم القديم. وفي المؤتمر، كان قدامى القادة يرفعون أيديهم بالموافقة على التغيير وهم يذرفون دموعا حرّى. وبعد بضع سنوات كان الحزب (وقد أصبح اسمه "الحزب الديمقراطي") يقود ائتلافا يحقق الأغلبية، والأمين العام نفسه يصبح رئيسا للحكومة.

التعليق