تعرَّفتُ على الفلسطينيين على الفيسبوك !

تم نشره في السبت 21 أيار / مايو 2016. 12:01 صباحاً - آخر تعديل في السبت 21 أيار / مايو 2016. 11:42 صباحاً

وأقصدُ بـ “الفلسطينيين” هنا، فلسطينيي الداخل، الداخل بأشلائه الثلاثة : الضفة وغزة والـ 48.
أما الخارج فكنتُ أعرفه جيداً وأعرف كيف يفكر وكيف يعيش وكيف يحلم، لكننا دائماً بحكم القطيعة والإغلاق الذي فرضه الاحتلال لم نكن نعرف شيئاً عن أهلنا هناك. حتى بدأ بعضهم يخرج للزيارة بعد “اوسلو”، ثم الانفتاح الكبير الذي عرفناهم منه على “الفيسبوك” وتواصلنا معهم، بعد ان كانوا بالنسبة لنا عالماً مجهولاً وغيبياً.
حيث لا يكفي دائماً تطابق الجينات، أو العِرق، لكي يتطابق أو حتى يتشابه التفكير بين الناس.
لا نختلف بالطبع ان الفلسطينيين كلهم، على اختلاف أماكن تواجدهم يحلمون بعودة بلادهم وتحقق دولتهم وزوال الاحتلال. هذه بديهة متفق عليها، لكنني هنا اتحدث عن طباع الناس والمجتمعات عند مجموع (الشعوب) الفلسطينية في الأرض.
وأقصد هنا الشعوب، وأعنيها، فهناك فلسطينيو الـ 48، وفلسطينيو غزة، وفلسطينيو الضفة، وفلسطينيو لبنان، وفلسطينيو الأردن، وفلسطينيو الخليج، وفلسطينيو سوريا، وفلسطينيو اوروبا، وفلسطينيو المغرب العربي، وفلسطينيو أميركا، وأميركا اللاتينية، ولا أقصد هنا التعداد لمجرد التعداد .. بل لتخيل الفروقات الهائلة في ثقافة العيش وثقافة الحياة وطرائق التفكير وحجم التأثر بالمكان/ المنفى، وتأثيره في نوع الخطاب؛ الخطاب السياسي والاجتماعي والثقافي و .. تجاه كل شيء.
الأسبوع الماضي كتبت على صفحتي على الفيسبوك مجرد خاطرة صغيرة نصّها (الفلسطينيون في المنفى يحلمون بالوطن. الفلسطينيون في الضفة لديهم شيء من الوطن ويحلمون بالدولة وأحياناً يحلمون بالمنفى . الفلسطينيون في سورية يحلمون بحق العودة الى .. مخيم اليرموك. الفلسطينيون في “عين الحلوة” يحلمون بعودة ياسر عرفات حيّاً. الفلسطينيون في غزة لا يحلمون أبداً .. بسبب انقطاع الكهرباء !).
وكان ذلك فاتحة لأن أتلقى عشرات الرسائل في بريدي تتساءل واحيانا تستنكر بقسوة أنني تجاهلتُ ذكر فلسطينيي
الـ 48 الذين يعيشون وما زالوا في الداخل التاريخي، ووضعني الأمر أمام سؤال مفاجئ بالنسبة لي: بماذا يحلم فلسطينيو 48 حقاً ؟! وكيف يفكرون؟
هل تتلخص مطالبهم بحقوق المواطَنة وبالعدالة وعدم التمييز في الشأن اليومي والوظيفي والحكومي .. الخ ! وهل وصلوا الى مرحلة من التعايش النفسي و(عدم الحلم ) بهوية الأرض نفسها .
المعضلة ان الشتات الفلسطيني، الذي أنجب أجيالا متباينة اللغات والثقافات والاحلام، خلق مسافة ذهنية بين (الشعوب الفلسطينية) وجعل من الصعب التواصل والتفاهم .. حتى أن احدنا قد يتعرض للاتهام القاسي من صديق حميم بسبب سوء فهم غريب. رغم افتراض الوطنية عند الجميع. لكن الجميع أيضاً يفترض ان طريقته في (الوطنية) هي الاجدر بأن تُتَّبع.
وأقسى ما في الأمر هو النقاش مع اولئك الذين يحملون فقط مشاعر وعواطف جياشة تجاه الوطن دون ان يحملوا أي موقف سياسي قابل للتفكيك أو النقاش. فهم يُصرّون فقط على ( عودة كُليب حياً ) !
وفي الأغلب انك لا تستطيع فهم نوعية المعاناة عند أي شعب من الشعوب الفلسطينية او تمثُلها تماماً، فلا تستطيع فهم معاناة الـ 48 الذين حرموا من الهوية ومن المشروع الوطني الجمعي واحتفظوا بالأرض الشخصية، كما لا تفهم أيضاً معاناة الضفة وغزة الذين عانوا ويلات الاحتلال وقمعه وواجهوا المحتل منفردين بصدورهم ولكنهم لم يحرموا من الأرض/ الوطن، ولم يعيشوا شعور الاقتلاع الذي عاشه اللاجئ، ... هي أنواع متابينة جداً من المعاناة، ومختلفة تماماً. لا أقول ان أحداً عانى أكثر او أقل من الآخر، لكنها حتماً انواع مختلفة جداً من المعاناة . وكلها العن وأقسى من بعضها وأشد بؤساً.
لكن السؤال المؤلم والقاسي هو أنه حين يتحدث العالم كله عن (آخر احتلال في التاريخ) فهم يتحدثون الآن عن الضفة. فهل يعني ذلك أن بيوتنا وهويتنا وجذورنا في الـ 48 قد انمحت للأبد ؟!
وهل على اللاجئ ان يحلم حين يحلم كما يملي عليه البرنامج السياسي !

التعليق