وباء الحمى الصفراء يعود مجددا

تم نشره في الثلاثاء 24 أيار / مايو 2016. 12:00 صباحاً
  • تواجه أنغولا وباء الحمى الصفراء الخطير لأول مرة منذ 30 عاما - (أرشيفية)

سياتل- قبل أن تبدأ أهوال مرض الايبولا الأخير في غرب أفريقيا بالتلاشي من عقولنا، ظهر فيروس "زيكا" كخطر كبير يهدد الصحة العالمية، وهو الآن موضوع قلق بالنسبة للباحثين والأطباء في أميركا الجنوبية وأميركا الوسطى، ومنطقة البحر الكاريبي. ومع ذلك، فإن عدد القتلى في ارتفاع مستمر بسبب فيروس آخر؛ الحمى الصفراء.
في جنوب غرب أفريقيا، تواجه أنغولا وباء الحمى الصفراء الخطير لأول مرة منذ 30 عاما. منذ أن ظهر الفيروس في لواندا، عاصمة أنغولا والمدينة الأكثر اكتظاظا بالسكان في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أودى هذا الوباء بحياة 293 شخصا وإصابة 2267. وقد انتشر الفيروس الآن في ست محافظات من بين 18 محافظة في البلاد. ونقل المسافرون معهم المرض إلى الصين، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وكينيا. والآن توجد ناميبيا وزامبيا في حالة تأهب قصوى.
وينتقل فيروس الحمى الصفراء عن طريق بعوض "الزاعجة المصرية"، نفس البعوض الذي نشر فيروس "زيكا". وتشمل أعراض الإصابة بالفيروس الحمى وآلام في العضلات، والصداع، والغثيان، والتقيؤ، والتعب. وما لا يقل عن نصف الحالات الشديدة غير المعالجة من الحمى الصفراء يموتون في غضون 10 أو 14 يوما.
والخبر السار هو أنه على خلاف "زيكا" أو الإيبولا، يمكن السيطرة على الحمى الصفراء بلقاح فعال، والذي يكفي لمنح حصانة مدى الحياة في غضون شهر من العلاج. وبالفعل، يشكل التلقيح جوهر خطة الاستجابة الوطنية في أنغولا، والتي بدأت في بداية هذا العام بهدف جعل لقاح الحمى الصفراء في متناول أكثر من 6.4 ملايين شخص في مقاطعة لواندا. وحتى الآن، تم تلقيح ما يقرب من 90 % من هذه الفئة السكانية المستهدفة، وذلك بفضل منظمة الصحة العالمية، ومجموعة التنسيق الدولية لتوفير اللقاح، وغيرها من البلدان، بما في ذلك جنوب السودان والبرازيل، والتي قامت بتوفير نحو 7.35 مليون جرعة من اللقاح.
وأوقف التلقيح الشامل انتشار الحمى الصفراء. لكن من أجل وضع حد لتفشي المرض، ينبغي أن يستمر التلقيح ليس فقط في لواندا؛ حيث هناك 1.5 مليون من الناس المعرضين لخطر العدوى، بل يجب أن يشمل أيضا المحافظات المتضررة الأخرى، وسيكون هذا تحديا كبيرا.
الآن تكمن المشكلة الرئيسية في تكلفة اللقاح. ففي العام 2013، كلف لقاح الحمى الصفراء 0.82 دولارا لكل جرعة في أفريقيا، وهو السعر الذي لا تستطيع معظم البلدان النامية تحمله. وأظهر تقرير العام 2015 لمنظمة "أطباء بلا حدود" أن اللقاح أصبح الآن أكثر تكلفة بما يقرب من سبعين مرة مما كان عليه في العام 2001.
وما يزيد الأمور سوءا أنه ولو كانت الدول لديها المال الكافي، هناك قيود على التزويد. ويعد معهد باستور بداكار في السنغال، إحدى أربع منشآت فقط في العالم التي تنتج لقاحات الحمى الصفراء، بتصنيع نحو عشرة ملايين جرعة سنويا، لكن من الصعب الزيادة في نسبة عملية التصنيع. وعلاوة على ذلك، فمعهد باستور على وشك الإغلاق لأجل الترميم لمدة خمسة أشهر؛ إذ لن يكون قادرا على إنتاج المزيد من اللقاحات.
ولحسن الحظ، سيتم تحسين الوضع. فمعهد باستور يعمل على بناء منشأة جديدة تبعد بمسافة 30 كيلومترا من داكار، في ديامنياديو، والتي من المتوقع أن يتضاعف إنتاجه ثلاث مرات أكثر بحلول العام 2019. وهناك مصنع آخر ينتج لقاح الحمى الصفراء، سانوفي باستور في فرنسا، ويعمل أيضا على توسيع القدرة التصنيعية. (وهناك مصانع أخرى في البرازيل وروسيا).
لحد الآن، لا توجد إمدادات كافية. فالطريقة الوحيدة لتوسيع المخازن الموجودة ستكون عن طريق إعطاء جرعة جزئية (أي خُمس الجرعة المعتادة)، وقد ثبت أنها فعالة أيضا للوقاية من الحمى الصفراء.
ولكن حتى هذا قد لا يكون كافيا إذا انتشر الفيروس أكثر من ذلك. وللأسف، فالكثافة العالية لبعوض الزاعجة المصرية في المناطق المتضررة تعني أن خطر انتقال العدوى ما يزال مرتفعا.
وإذا انتشر هذا المرض في منطقة مثل آسيا، والتي تفتقر إلى الخبرة في معالجة وباء الحمى الصفراء وليس لديها القدرة على تصنيع اللقاح، سيكون من الصعب جدا السيطرة عليه. ووفقا لجون بي ودال، مؤسس مصلحة التأهب للتصدي للوباء ProMED، إذا ما انتشرت الحمى الصفراء في أجزاء من آسيا في المناخ المناسب مع تواجد أشكال البعوض، فمن المحتمل أن يصاب مئات الآلاف (وربما يموتون) قبل إيصال مخزون اللقاح.
ومن المرجح أن ينتشر هذا الفيروس في القارة الأميركية، التي تعد موطنا لبعوض الزاعجة المصرية التي لا تنقل الحمى الصفراء فحسب، ولكن أيضا حمى الضنك، و"زيكا"، وداء شيكونغونيا. وأعلنت منظمة الصحة للبلدان الأميركية عن التأهب لمحاربة وباء الحمى الصفراء في أميركا اللاتينية.
للمساعدة على منع انتشار الحمى الصفراء، ينبغي على أنظمة الصحة الدولية أن تطلب من جميع المسافرين إلى 34 دولة حيث توجد الحمى الصفراء الإدلاء بشهادة التلقيح. لكن تنفيذ تلك الأنظمة يعتمد على قدرة كل بلد، وهذا الأمر بعيد عن الكمال. وقد تم بالفعل تسجيل تسع حالات مؤكدة مختبريا للحمى الصفراء آتية من أنغولا من قبل نقطة الاتصال الوطنية المعنية بالأنظمة الصحية الدولية في الصين. وتشير تقارير حول انتشار عدوى الحمى الصفراء ضمن المسافرين غير المحصنين العائدين من بلد حيث التلقيح ضد هذا المرض إلزامي، أن هناك حاجة ماسة إلى تعزيز تنفيذ متطلبات التلقيح.
وتعمل منظمة الصحة العالمية بشكل وثيق مع العديد من الشركاء والحكومة الأنغولية على مكافحة اندلاع المرض حاليا. ولكن، كما أشار بعض خبراء الصحة، ينبغي القيام بمجهود أكبر. كما ينبغي على منظمة الصحة العالمية الآن أن تعقد اجتماعا للجنة الطوارئ لتنسيق استجابة دولية على أوسع نطاق، وحشد الأموال، والزيادة السريعة في إنتاج اللقاحات، فضلا عن "اللجنة الدائمة للطوارئ" القادرة على التصدي للأزمات الصحية العامة في المستقبل بسرعة وفعالية.

ملفين سانيكاس
بروجيكت سنديكيت

التعليق