جمانة غنيمات

قرن على الثورة.. مبادئ تستحق الاحترام

تم نشره في الأربعاء 25 أيار / مايو 2016. 12:10 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 25 أيار / مايو 2016. 09:30 صباحاً

مائة عام مرت على انطلاق الثورة العربية الكبرى، لكنها ما زادت المبادئ النبيلة التي قامت عليها، إلا سمواً وأهمية، لاسيما في ظل الظروف الموضوعية الكارثية التي تحياها الأمة اليوم؛ لأنها مبادئ إنسانية عظيمة، قبل أن تكون مبادئ سياسية راقية.

وبكل يقين نقول، إنه ليس من خيار أمامنا إلا إعادة الإيمان بهذه المبادئ، سبيلاً رئيساً لمواجهة الأحوال الكارثية التي تستبيح عالم العرب عموماً، وتحكم علاقته في الداخل والخارج، نتيجة طبيعية لغياب العدالة أساساً. وما كان دافع العرب إلى ثورتهم في 2 حزيران (يونيو) 1916، بقيادة الشريف حسين بن علي، إلا الإصرار على نيل الحرية والعدالة، في بلد عربي مستقل يضمن صيانة الحقوق كافة.
وهذه الثورة التي نحيي اليوم ذكراها المئوية، كانت كبرى أيضاً لأنها حملت مشروع استنهاض وبناء الأمة ككل. ومنذئذ لم يأت من وقت كما اليوم، يؤكد حاجتنا الماسة بل والحاسمة لاستعادة ذاك المشروع؛ ليعيد المكانة المفقودة للعرب في أوطانهم، بما يضمن بدوره عودتهم على الخريطة السياسية العالمية فاعلين وسادة قرارهم.
عمليا، قامت الحكومة بتشكيل لجنة لإدارة الاحتفالية بمئوية الثورة العربية الكبرى. لكن، وبصراحة، لا أملك تقييما عمليا موضوعياً لمدى نجاح الحكومة في التأسيس لتكريس المبادئ العظيمة لفكرة هذه الثورة وفكرها، عبر إعادة إحيائهما وزرعهما في ضمائر الناس.
لكن جزئية صغيرة قد تكون ذات دلالة، مؤسفة! فقد سعت "الغد" إلى إعداد تسجيل فيديو بمناسبة الاحتفالية، لكن النتيجة -وللأسف- أن العينة التي قابلها الصحفي رفضت التعليق على التقرير، استناداً إلى قناعات أنتجها تيار سياسي، فحواها أن الثورة كانت ضد "الخلافة" وضد الدين! وهو ما يعكس فشل جميع الأدوات المتاحة في تبديد هذه الكذبة، ولتبقى راسخة أباطيل بعيدة كل البعد عن الأهداف الحقيقية والنبيلة للثورة العربية.
"القوة بالوحدة" أحد المبادئ الهادية للثورة. ولذلك شهدنا في الأردن هويات فرعية كثيرة، تلاقت وتكاتفت تحت الهوية الوطنية، من دون التفات إلى الفروع. لكننا اليوم نجد إرهاصات نقيض ذلك؛ إذ نجد المرء محتفياً بهويته الفرعية، مسقطا من حسابه هوية جامعة هي مظلة الجميع؛ "الهوية الأردنية". ولذلك أسبابه الكثيرة التي لا يتسع المقام لشرحها.
ربما أكثر ما نحتاجه اليوم هو احترام التنوع والتعددية. وهو مبدأ بتنا، وللأسف أيضاً، نشعر فقدان الإيمان به، وثمة شواهد على ذلك. وإن كان ثمة نجاح يحسب، فهو استعادة الاحترام لهذا المبدأ الذي قام عليه الأردن؛ فلا يعقل أن تشكيلة أول حكومة أردنية ضمت شخصيات من مختلف المناطق العربية، فيما نحن اليوم نتقاسمها بين شمال وجنوب ووسط وغرب وشرق! والسبيل إلى هكذا نجاح مطلوب وليس مرغوبا فحسب، هو المواطنة الحقيقية في دولة القانون.
وفي مواجهة انتشار التطرف والتنظيمات الإرهابية، تبدو المصلحة في ضرورة تقوية الإسلام الوسطي المعتدل، إلى جانب معركة فكرية تنويرية، لا أظن أن الدولة بمختلف مؤسساتها استطاعت حتى اللحظة توفير الأدوات المناسبة لخوضها. وهو ما يفرض التذكير بمبدأ آخر قامت عليه الثورة، هو التآخي (ولا أقول التعايش) الإسلامي-المسيحي؛ ليكون العيش ضمن مجتمع واحد لا فضل فيه لأحد على الآخر إلا بالعمل والإنتاج، نتيجة لتكريس مبادئ عامة تؤسس للدولة المدنية التي تكفل حقوقا متساوية، تماماً كما الواجبات أيضا.
بعد قرن على الثورة العربية الكبرى، نحتاج فعلا إلى مراجعة ما كتب من تاريخنا، وأن نعالج قصور رؤيتنا الإعلامية، بحيث لم يعِ جزء كبير من الجيل الجديد وما قبله، نبل مبادئ هذه الثورة ورقيّها. لو فعلنا ذلك، لكان لدينا اليوم بناء مختلف، وغالبية مختلفة تؤمن بالآخر ولا ترفضه، وبذلك تكون الطريق آمنة لبناء دولتنا الديمقراطية المدنية. فغياب الوسطية والتعددية أدى، في النهاية، إلى ترك فراغ كبير لتيارات لا تؤمن بهذه القيم إلا ظاهريا في أحسن الأحوال، ما ساهم، ولو من حيث لا ندري، في ما وصلنا إليه اليوم من تطرف ورفض للآخر وتغييب للعدالة.
في ذكرى مئوية الثورة العربية الكبرى، والذكرى السبعين لاستقلال وطننا الأردن؛ ومن باب الوفاء لمن أطلقوا وقادوا هذا التغيير، كما الوفاء لإنسانيتنا وعروبتنا، علينا أن نستعيد المبادئ التي بها ولها ضحى الأردنيون والعرب السابقون، وأن نكرسها أساساً متيناً لتغيير واقعنا الصعب نحو مستقبل يليق بنا؛ مستقبل مشرق.

التعليق