جميل النمري

ما يضرب معنى وجود مجلس النواب

تم نشره في الخميس 26 أيار / مايو 2016. 11:08 مـساءً

ختام الدورة البرلمانية الاستثنائية (وربما ختام مجلس النواب السابع عشر!) أبى إلا أن يتم بمشهد آخر يطيح بصورة وسمعة وهيبة المجلس. وقد امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالتعليقات اللاذعة عن النواب الذين "لحسوا" في المساء التعديلات الجريئة التي أقروها في الصباح.
لو أن الأمور مشت بطريقة نظامية صحيحة، فلا تثريب على المجلس؛ لأن إعادة النظر في القرارات هو أحد أدوات الديمقراطية النيابية، ويمكن لعشرة نواب أن يطلبوا إعادة فتح مادة للنقاش قبل التصويت الأخير على القانون بمجمله. وهذا بند في النظام الداخلي يخدم الأقلية، ويعطيها حق استئناف معركتها لمرة أخيرة من أجل قضية تراها عادلة، وتعتقد أنها مرت من دون تدقيق كاف من أغلبية المجلس.
لكن ما حصل أن إعادة النظر في بندين تم إقرارهما في قانون صندوق الاستثمار بدت وكأنها تتم "خاوة"، وليس بإرادة حرة من المجلس تعكس قناعة الأغلبية. وأنا أقول بأمانة إن التصويت كان مسلوقا، وكان على رئيس المجلس أمام الاحتجاجات أن يلجأ إلى التصويت بالوقوف، وأن يتم العدّ بأناة للتوثق من النتيجة التي يجب احترامها مهما كانت؛ فهذا أهم ألف مرّة من وجود نص يمكن أن تعتبره الحكومة تخريبا للقانون الذي كان مطلوبا بشدة وبسرعة لمتابعة اللقاءات مع السعودية، والحصول على تمويل لمشاريع البنية التحتية الكبرى.
في العادة، تتوفر أغلبية نيابية مريحة لكل قرار تريده الدولة. ويظهر ذلك جليا في كل مفصل مهم، وحتى من دون تجييش. إذ يلتقط النواب الرسالة. وكمثال على ذلك قانون الانتخاب الذي كان يتوجب الموافقة عليه كما جاء حرفيا من الحكومة، مع هامش محدد من التعديلات التي تم التوافق عليها مع اللجنة القانونية. لكن كثيرا ما تؤخذ الحكومة ورئاسة المجلس على حين غرّة، فتمر مقترحات تحت القبّة لم يحسب حسابها. وإذ يحدث ذلك، وهو يمكن أن يحدث، فإنه يجب أن تتحمل الحكومة ورئاسة المجلس مسؤوليتهما السياسية، ومعالجة الموقف بوسائل مشروعة تحترم المؤسسة والمؤسسية وشروط اللعبة الديمقراطية، ولا تضر بها عرض الحائط بصورة تدمر مصداقيتها وتلحق ضررا أساسيا بها.
المقترح الذي يستثني إسرائيل بالاسم من الشركات التي تنشأ لتنفيذ مشاريع البنية التحتية، لم يكن في الواقع أكثر من عملية إحراج ومناكفة للحكومة من بعض الوسط النيابي. فهذا قانون لصندوق خاص للاستثمار في مشاريع معينة، صمم خصيصا من أجل دول الخليج والسعودية. والمشكلة أن التصويت ما دام قد أصبح وكأنه من مع أو ضد إسرائيل، فإن أحدا لا يقبل أن يظهر أنه مع العدو الصهيوني الغاصب، والأغلبية الساحقة من النواب لا تحب من قريب أو بعيد التعامل مع دولة العدوان التي تزداد تعنتا وغطرسة وعدوانية كل يوم. وأصحاب الاقتراح يعرفون ذلك ويستثمرونه في سياق مناكفة الحكومة وإحراجها. ولا يمكن القول إلا أن هذا الأسلوب مشروع في إطار اللعبة الديمقراطية حتى لو بدا أنه غير عادل، وهو يجب أن يواجه بنفس الأساليب المشروعة حتى لو بدت غير عادلة، لكن ليس مقبولا أبدا ضرب أسس اللعبة؛ أي التجاوز على التصويت والسماح بوجود شبهة فيه، فهذا يسحب من مجلس النواب معنى وجوده.
ومع الأسف، فإن هذا يحدث ويتكرر. ويشهد المجلس باستمرار احتجاجات على نتائج التصويت، يستجيب لها الرئيس أحيانا، لكن في أحيان أخرى معينة يتجاهلها ويتجاوز على المجلس بصورة تجعل من التواجد تحت القبة عبثا. وكم طالبنا باعتماد التصويت الإلكتروني الذي يحسم الشك باليقين؛ فيوثق التصويتات، ويحدد كيف صوت كل شخص، لكن من دون جدوى.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"مجلس النواب" (يوسف صافي)

    الخميس 26 أيار / مايو 2016.
    السياسة والديمقراطية تراكمات سلوكية مؤطرها المبدء الجامع والمتفق عليه كحاضن مابين المواطن وممثله ولوجا للهدف المشترك بين مكونات المجتمع بكل شرائحه وفيصل اختلاف الرأي له روافع متفق عليه بين الفرقاء الا وهو الأقرب طريقا والأقل كلفة وأعلى نسبة ولوجا لتحقيق الهدف (خدمة الوطن والمواطن)دون التخلي عن ثوابت الأمة (مكنونات المجتمع المعبرّة عن ذاته (السيادة)وإستقلال قراره وتوازن علاقاته مع الغير)؟؟؟ مايستشف مما اسهبت شرحا وتمني وتجريحا للواقع دالّة على عدم النضج السياسي ومهما بهرّت وأضفت المحصلة "الطبخة مسلوقة"(كما أشرت استاذ جميل) والأنكى أيضا مولدّة لسياسة راس روس حتى وان كانت الطبخّة سريعة التحضير تحرق(ضم التاء) بالمناكفات والتسارع من أجل كل واحد يريد ان يضع الريشة على راسه؟؟؟""ولايغير الله مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم"
  • »ديمقراطية عن حق (يزن عيسى)

    الخميس 26 أيار / مايو 2016.
    فقط اقتبس من نص مقالتك:
    في العادة، تتوفر أغلبية نيابية مريحة لكل قرار تريده الدولة. ويظهر ذلك جليا في كل مفصل مهم، وحتى من دون تجييش. إذ يلتقط النواب الرسالة.
    ثم يصيح كل الرسميين لماذا لا يثق الناس لا في الحكومة و لا في مجلس النواب و يجوز استبدال الباء بالميم.
    يا ليت ما تهت علينا طبقة الواحد بالمئة من المسؤولين و البرجوازيين و اصحاب المصالح بالديمقراطية التي يقدموها لنا بكيفية الموت جوعا أو إفلاسا أو مرضا أو انهيار تعليمي و قيمي فالحرية فقط تكون في كيف نموت.