"وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا"

تم نشره في الجمعة 27 أيار / مايو 2016. 12:00 صباحاً

د. محمد خازر المجالي

الرشد حالة لا ترتبط بعمر معين. وهو أقرب ما يكون في معناه إلى العقلانية والحكمة وإصابة وجه الحقيقة، والسداد في الأمر، والسير في الاتجاه الصحيح. ففي المعاجم: رشد الرجل إذا أصاب واهتدى واستقام وعرف طريق الرشاد، ويقال: رشد الشاب أمره أي وُفِّق فيه.
وقد وردت كلمة الرشد في القرآن في سياقات مختلفة، كلها توضح أن الرشد هو أمر يتمناه الجميع؛ أفرادا وجماعات، يسعون من أجل تحقيقه والوصول إليه، وله جانب مرتبط بالأخذ بالأسباب، وآخر مرتبط بتوفيق الله تعالى.
إن الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم الله هدى حين فروا بدينهم وأووا إلى الكهف، حددوا دعاءهم بعد أن أخذوا بالأسباب فقالوا: "... رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا" (الكهف، الآية 10). ولنا أن نتخيل حجم المشقة والحيرة والقلق الذي كان يلفهم، فهي رحمة الله من جهة، وأن يهديهم الرشد في شأنهم، ولهذا قال الله عنهم: "... إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى" (الكهف، الآية 13). فيا له من مطلب عظيم، يأتي معه النصر والتمكين، بل جعلهم الله آية من آياته، حين لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا.
وفي القصة نفسها حيث أصحاب الكهف، يبين الله تعالى كيف تولى عباده هؤلاء، وتحدث عن وجودهم في الكهف فقال: "وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا" (الكهف، الآية 17). ويهمني هنا أن أركز على هذه الولاية والإرشاد منه تعالى لعباده الذين هداهم، فمن يهده الله فهو المهتد، أما من ضل الطريق وابتعد فليس له ولي مرشد. وبهذا نفهم دور الولي المرشد بشكل عام، حيث التوجيه والتصويب والتسديد نحو الصراط المستقيم، وهي حاجة في البشر جميعا لا بد منها، فليس منا أحد إلا ويحتاج إلى ذوي الخبرة والبصيرة من جهة، والأهم هو الله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وفي نهاية قصة أصحاب الكهف، وقبيل أن يبين الله تعالى مدة مكثهم قال: "وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا" (الكهف، الآيتان 23 و24)؛ فهي جملة من التوجيهات نحن بحاجة إليها، تبين حاجتنا إلى الله وفقرنا إليه، ونقصنا عن التمام، فلا بد من ربط الأمور بمشيئة الله تعال فنقول: "إن شاء الله"، فبيده الأمر كله، وهو المتصرف في كونه وفي خلقه، يختار لهم ما يشاء سبحانه. ويوجهنا كذلك إذا نسي أحدنا شيئا أن يذكر الله تعالى، ثم يأتي هذا الدعاء العام في أن يهدينا الله الرشد.
وفي السورة نفسها سورة الكهف تأتي قصة موسى والخضر؛ فبمجرد أن لقيه بعد أن ارتد هو وفتاه قصصا حيث موضع الحوت، فوجدا الخضر وقال له موسى عليه السلام: "... هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا" (الكهف، الآية 66)، فقد أوحى الله إليه أن هناك عبدا أعلم منه، وذلك بعد أن كان من شأن موسى عليه السلام أن مدح نفسه بالعلم، فطلب من الخضر مرافقته ليعلمه، فكانت الأمور الثلاثة التي بينها الله تعالى من خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار لقوم لم يحفلوا بهم، وهي أمور جاءت على عكس ظاهرها مما يتوقعه الإنسان العادي، وفي كل مرة كان موسى عليه السلام ينكر ويعجب، ويخرق شرط مرافقته للخضر بأن لا يسأله عما يفعله حتى يبينه له، حتى كان الفراق والبيان للأمور التي استغربها موسى عليه السلام واستعجل فيها، وكانت كلها من أمر الله لا من أمره: "وما فعلته عن أمري"، فالرشد هنا هذه الحكمة والنظر البعيد في مآلات الأمور، ونحن بشر نسعى ونأخذ بالأسباب، ولكن لا نعرف ما هو الخير الحقيقي، فنوكل أمرنا لله تعالى وندعوه سبحانه أن يهدينا سبيل الرشاد.
وهذا مؤمن آل فرعون في حواره مع قومه، وهو ينتصر لموسى عليه السلام، يقول لهم جملة من الحقائق والتوجيهات، ومن جملة أقواله ومواعظه لهم: "وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ" (غافر، الآية 38)، فهو يعلم ما عليه القوم من ضلال واتباع أعمى وتعظيم لشخص فرعون الذي استهزأ بموسى ومعجزته وإلهه فقال الله حاكيا شأنه: "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ" (غافر، الآيتان 36 و37)، فالذي وجده هذا المؤمن هو غياب منهج الرشاد، فالقوم في غوغائية وتقليد وتعظيم وتكبر، وكلها لا توجه الاتجاه الصحيح، حيث الرشاد.
وهذا القرآن العظيم إنما يدعو إلى منهج الرشاد، بهداياته وأحكامه ومواعظه، فها هم الجن عندما استمعوه قالوا: "... إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا" (الجن، الآيتان 1 و2)؛ فهو عجيب بتوجيهاته، فريد بمنهجه، ولا يمكن أن يكون الشرك بأنواعه ومظاهره كلها من الرشد.
ونحن مقبلون على الصيام، نتذكر أن الله جعل بين آيات الصيام آية الدعاء، وبينت الآية أنْ لا واسطة بين العبد وربه: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" (البقرة، الآية 186)، فالاستجابة له بأن ندعوه ونثق به ونظهر حاجتنا له، إضافة إلى الإيمان الكامل بأنه قادر على فعل كل شيء سبحانه، فهذا طريق إلى الرشاد.
ونتذكر في سورة النساء الحديث عن الأيتام كيف وجهنا ربنا سبحانه أن لا نعطيهم أموالهم إلا إن آنسنا منهم رشدا: "... فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ..." (النساء، الآية 6)، وليس كل بالغ راشد، بل إن الشريعة توجب على السفيه (عكس الراشد) أن يُحجز على ماله، صيانة له.
هو الرشد الذي نريد أن نؤكد عليه ونسعى إليه، بمعونة الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

التعليق