"القلق الأميركي" من ليبرمان

تم نشره في السبت 28 أيار / مايو 2016. 12:04 صباحاً

فسّرت إسرائيل تصريح الناطق باسم الخارجية الأميركية، بشأن ضم العنصري الشرس أفيغدور ليبرمان إلى حكومة نتنياهو، وتسليمه حقيبة الحرب، بأنه تعبير عن "القلق الأميركي" من تسليم ليبرمان هذه الحقيبة. إلا أن هذا "القلق" يَصعُب تفسيره، إذ إن الإدارة الحالية، كما كل الإدارات الأميركية على مر السنين، هي الدرع الواقية لكل السياسات الإسرائيلية أمام العالم، وإن وُجدت استثناءات في سنوات التسعينيات، فقد كانت محدودة، وتم محوها بالكامل في إدارتي بوش الابن وأوباما.
فقد قال الناطق باسم الخارجية الأميركية مارك تونر، لوسائل الإعلام: "لقد سمعنا التقارير التي تصف الحكومة الإسرائيلية كونها الأكثر يمينية في التاريخ الإسرائيلي. وهذه القضية تطرح أسئلة حول السياسة التي ستتبناها هذه الحكومة". وجاء الرد الإسرائيلي الرسمي، كعادته، استعلائيا موبخا للجالسين في مؤسسات الحكم الأميركي، إذ قال الوزير المقرّب من نتنياهو، ياريف لفين، لإذاعة جيش الاحتلال: "إن التدخل الأميركي غير لائق"، وإن "موضوع تركيبة حكومة إسرائيل هو موضوع إسرائيلي داخلي".
وهذا رد صادر عن حكومة، وكيان بأكمله يكتسب قوته وضمان استمراريته من دعم البيت الأبيض المطلق، وينعكس بدعم سياسي وعسكري ومالي واقتصادي، بمئات مليارات الدولارات على مر السنين. إضافة إلى أنه رد وقح على ضوء حقيقة أن نتنياهو بالذات، هو من يستغل مجموعات الضغط الصهيونية ومناصريها في الولايات المتحدة للتدخل في الشؤون الأميركية؛ مثلما جرى في الانتخابات الرئاسية قبل أربع سنوات، وأيضا حينما دخل نتنياهو إلى الكونغرس مخاطبا ومحرّضا المشرعين الأميركيين على رفض توجه الرئاسة بالتوقيع على اتفاق نووي مع إيران.
حينما دخل باراك أوباما البيت الأبيض، توقع كثيرون بعد خطاباته وتصريحاته الأولى، أنه سيُقْدم على تغيير ملموس في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، وبالأساس فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وكان في حينه ما عُرف بتسمية "خطاب القاهرة"، مؤشرا لهذا التفاؤل، الذي لم يصمد طويلا حتى تبدد، إذ إن أوباما سارع للعودة إلى التِّلم الذي خاضه سابقه من الحزب الجمهوري جورج بوش الابن، وحتى أن أوباما لم يبذل جهدا للعودة إلى النقطة التي أنهى فيها بيل كلينتون ولايته، رغم محدوديتها.
أكثر من هذا، فإن أوباما تجاوز حتى محاولات الصهيونية ونتنياهو للإطاحة به في انتخابات 2012، بحراك مكشوف على العلن؛ وهذا ما يؤكد أن السياسات الأميركية لا يحددها الأشخاص، ولا أهواء قادة مرحليين، بل هناك استراتيجيات عليا تلزم كل داخل إلى البيت الأبيض.
ولا يوجد ما يدفعنا للاقتناع بـ"القلق الأميركي" من انضمام ليبرمان إلى حكومة نتنياهو، لأن الأخير، كما تعلم واشنطن، لن يسمح لأي كان بأن ينافسه على السياسات العدوانية المتطرفة، فنتنياهو كان وما يزال متطرفا شرسا، وأطاح على مدى سنين بكل من خالف هذا النهج في حزبه الليكود، وكانوا من دعاة وضع نوع من الضوابط في السياسة اليمينية.
إن الولايات المتحدة مُقبلة بعد خمسة أشهر على انتخابات رئاسية، والوجهان المرشحان للجلوس في المكتب البيضاوي مكان أوباما، يُنبئان منذ الآن بانتهاج سياسة قد تُسجل ذروة أشد في الدعم الأعمى لإسرائيل، وخاصة لأحزاب اليمين الأشد تطرفا، وأولها حزب نتنياهو، الليكود، رغم ما يقال عن علاقات مشحونة بين هيلاري كلينتون وبنيامين نتنياهو، فهذه أنباء تندرج في إطار "اللهو الإعلامي" والعلاقات العامة؛ فتصريحات هيلاري على مر السنين، وخاصة حينما كانت سيناتورا في مجلس الشيوخ، ولاحقا وزيرة للخارجية، معروفة بنفورها، وحتى عدائيتها للموقف الفلسطيني، مقابل دعمها الأعمى للسياسات الإسرائيلية. وهذا ليس نابعا فقط من دعم أثرياء صهاينة لها، أولهم حاييم سابان، بل هذه هي قناعاتها.
أما دونالد ترامب، الذي تزداد حظوظه بالفوز بمنصب الرئيس بشكل غير مفهوم؛ ورغم استقلاليته ماليا كما يُشاع، فإنه بدأ يتلقى دعما مكشوفا، ماليا وسياسيا، من العنصري الأميركي اليهودي المتطرف شلدون إدلسون، صاحب واحدة من أكبر شبكات الكازينو في العالم، والداعم الأكبر لبنيامين نتنياهو. وهذه حقيقة تقول كل شيء عن التوجهات المتوقعة من ترامب.
لهذا، فإن "القلق الأميركي" المُعلن قد يكون تصريحا عابرا من ناطق أميركي، ولكن على الأغلب قد يكون لغرض العلاقات العامة، لا أكثر.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحليل واقعي وحقيقي (وائل الشيخ)

    السبت 28 أيار / مايو 2016.
    شكرا استاذ برهوم جرايسي، على هذا التحليل، إذ لا يمكن الاستمرار المراهنة على الدور الأميركي المتواطئ مع الكيان الصهيوني