إبراهيم غرايبة

الفشل ليس لغزا والإصلاح ليس معجزة

تم نشره في الجمعة 27 أيار / مايو 2016. 11:08 مـساءً

لم يعد قياس الفشل والتقدم قياسا عمليا واضحا مسألة ينفرد بها الراسخون في العلم والحكم، أو سرّاً يسرّب في المجالس ويهمس به للأتباع، أو يحتكره صحفي مقرّب؛ ولكنه -شأنه شأن المسائل والمواضيع الأخرى- أصبح متاحاً على الإنترنت. والحال أن الإنترنت تنقل المعرفة إلى حالة من المشاعية لدرجة لم يتخيلها كارل ماركس؛ وهي (المشاعية) تنشئ متوالية اجتماعية واقتصادية تغير كل شيء تقريبا. وبالطبع، فإن الضحية الأولى والتلقائية في هذه المشاعية هي النخب والقيادات السياسية والاقتصادية والأكاديمية؛ فعندما تصبح الجامعة، بكل تخصصاتها ومعارفها، موقعا على الإنترنت، يمضي إنتاج المعرفة في وجهة جديدة، تعصف بمعظم الأساتذة والباحثين والكُتّاب والخبراء والمتخصصين، ليحل محلهم منتجون جدد للمعرفة، يختلفون عن الطبقة الآفلة بقدر ما يختلف الأطباء عن العرّافين.
ولا بأس من التذكير بأن الطبّ كان عرافة وسحرا وخرافة، ثم تطور إلى وصفات وملاحظات للطبيعة والحياة، ثم صار ما هو عليه اليوم. ويتذكر كثير من الأحياء عندما لم يكن في العالم أطباء ومستشفيات، أنه لم يكن هناك سوى حجب ووصفات في محال العطارة. وبالطبع، فإن الطب القائم ومؤسساته يواجهان السؤال نفسه الذي تواجهه الجامعات والنخب والمؤسسات و"المولات".
في مسألة الفشل والنجاح، صعدت مؤشرات الأداء الاقتصادي والاجتماعي، وأصبحت جزءاً من الأخبار والسياسات العامة اليومية، وصار في مقدور جميع المواطنين ملاحظة الإنجاز والقصور في دولهم ومجتمعاتهم. والحال أن تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية، منذ بدء صدوره في العام 1990، أنشأ ظاهرة ملهمة للأفراد والمنظمات، كما الدول والمجتمعات، ليدركوا بوضوح قابل للقياس أين يقفون في سلم التقدم والفشل. ولحق بتقرير الأمم المتحدة عشرات التقارير والمؤشرات العالمية والإقليمية التي تقيس الديمقراطية والتكامل الاجتماعي والتمكين والمساواة والعمل والمشاركة العالمية.. والرضا والسعادة!
لكن الأكثر أهمية في هذه المؤشرات، أنها أنشأت ثقافة اقتصادية وتنموية عامة، وجعلت الاقتصاد والإحصاءات ودراسات الظواهر والحالات، مواضيع قابلة للفهم والجدل والتداول في وسائل الإعلام.
وفي استيعابهما الإبداعي للمنظومات الفلسفية والاقتصادية لليبرالية والاشتراكية، قدم محبوب الحق وأمارتيا سن فكراً جديداً إضافياً لم يكن فقط يصلح دليلاً علمياً ومرشداً عاماً للعمل والمراجعة، ولكنه أيضا مصدر للإلهام، كما لو أنه عمل فني خالد! ولئن توفي محبوب الحق مبكراً نسبياً؛ في العام 1998، فقد أتيح لأمارتيا سن أن يواصل منجزه الفلسفي التطبيقي في مجموعة من الكتب الرائعة والمدهشة، مثل "فكرة العدالة"، و"التنمية حرية"، و"الهوية والعنف"، والتي جعلت الفلسفة والاقتصاد نصوصاً نثرية ممتعة وملهمة... وأن يحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد.
وأصبح في مقدور الشباب والنشطاء والمناضلين اليوم -وهم يتجادلون في الانتخابات النيابية والنقابية والبلدية، أو يفكرون ويعملون لأجل بلادهم ومجتمعاتهم- أن ينشئوا تصوراً عملياً لما يريدون أن يكونوا عليه، وأن يلاحظوا بوضوح الفرق بين واقعهم ورؤيتهم، وأن يتجاوزوا إلى حد بعيد المواقف والمقولات الجاهزة التي اعتادت النخب في الحكم والمعارضة على إطلاقها وتكرارها.
لا نحتاج اليوم، لأجل الإصلاح، سوى أن نقرأ جداول المؤشرات في تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية أو البنك الدولي أو المنظمات الدولية والمتخصصة ومراكز الدراسات والاستطلاعات... ونقارنها بالسنوات الماضية وبالدول الأخرى، لندرك ما نحتاج إليه، ثم نطلق الخيال والفكر في الواقع والسياسات والخطط المتبعة، لنلاحظ علاقتها بالفشل والنجاح.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عين الصواب (مواطن)

    السبت 28 أيار / مايو 2016.
    المعرفة والمعلومات هي الاساس دائماً .. إغراء المبالغة الذي تيسره لغتنا العربية وثقافتنا الضحلة مأساة كبرى .
    إن صحيفة الغد وكاتب هذا المقال يطلعان علينا بافكار جديدة ويزيلان الكثير من الضبابية في رؤيتنا ويركزانها على الأولويات الأهم . إنهما يتحدياننا لاستخدام اداة منحنا الله إياها ولكننا نحاول دوماً الحفاظ عليها بتخبئتها وتغليفها بالجهل لكي لا تتلف وهو نعمة الدماغ الذي ينمو بالاستخدام النشط وليس عبر احالته على التقاعد من ولادتنا أو قفل الباب عليه في قبو مظلم أو طمره في كهف عميق.
    آن الاوان أن نفرد بعض المساحة من عقولنا لقضايانا الحياتية التي إن تجاهلناها سنتحول ستودي بنا للهاوية .