تحدي الإرهاب والتطرف

تم نشره في الخميس 9 حزيران / يونيو 2016. 12:05 صباحاً

يُعيد حادث الاعتداء الجبان على مرتبات المخابرات العامة، فتح النقاش والحوار حول موضوع الإرهاب والتطرف الذي وصفه جلالة الملك بأنه حرب عالمية ثالثة. الأردن كان وما يزال في طليعة الدول التي تجابه الإرهاب والتطرف، لأنه كان دائما مستهدفا من التنظيمات الإرهابية التي أصبحت في جوهرها آفة خطيرة على المجتمعات العربية والإسلامية أكثر من أي دولة أو مجموعة من الدول العالمية.
الصراع في العراق وسورية وغيرهما من الدول، شكل أرضية خصبة لهذه التنظيمات المتطرفة، وزادت مخاطر الإرهاب على الدول المجاورة، والأردن تحديداً. الحرفية والكفاءة العالية اللتان تتمتع بهما الأجهزة الأمنية والعسكرية كافة في الأردن، وبخاصة دائرة المخابرات العامة، هي التي مكّنت الأردن من العيش بأمن وسلام في ظل الوحشية والدمار اللذين تتعرض لهما شعوب ودول الجوار. وعدم قدرة التنظيمات المتطرفة على اختراق المنظومة الأمنية في الأردن، هو ما قد يكون دفعها إلى اتباع منهجية "الذئاب المنفردة" التي لا تستطيع أي دولة لجمها بالكامل. التجربة الأردنية في محاربة الإرهاب مثار إعجاب القاصي والداني كنموذج رائد ومبهر.
الأحداث الأخيرة تقدم الدليل على أن الحرب على الإرهاب والتطرف، ليست أمنية فقط؛ وإنما عمل سياسي واقتصادي وفكري أيضا. النجاح الأمني في مكافحة الإرهاب في الأردن، لم يوازه نجاح ونجاعة في مكافحة التطرف الفكري والسياسي الذي تمثله التنظيمات الإرهابية. وقد يعود سبب الفشل برأيي إلى: أولاً، يبدو أن الحكومة والمجتمع كانا يعيشان حالة من الاسترخاء والاطمئنان للثقة الكبيرة بالأجهزة الأمنية، وكأن الموضوع أمني فقط. وثانياً، قصور في قدرة الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات العامة في فهم ظاهرة التطرف الفكري والسياسي، ووضع الحلول الجذرية لمعالجتها، وهو ما قد يكون ناتجاً عن عدم إدراك لحجم الدعم الفكري والسياسي للتطرف، وهناك اعتقاد بأن المتطرفين عددهم محدود ومعروف، ويمكن التعامل معهم. والواقع أن الدراسات تشير إلى غير ذلك؛ الداعمون للفكر المتطرف بالأردن أكثر مما يتوقع البعض، وهم عابرون لكل الخلفيات الاجتماعية والجغرافية. الأهم من ذلك أن الحاضنة الفكرية والأيديولوجية للفكر المتطرف تحملها فئات الطبقة الوسطى المختلفة، وهم موجودون في المؤسسات كافة المنتجة للوعي والمعرفة؛ كالجامعات والمدراس والإعلام وغيره.
الفكر المتطرف له تنظيماته وأدواته، وله أسبابه التي قد نتفق أو نختلف عليها، سواء كانت خارجية أم داخلية. لكن الشيء الأكيد أن أسباب التطرف مُعقدة ومتداخلة، لكنها ليست عصية على الفهم. ومن دون الدخول في تعداد هذه الأسباب، فلا بد من الاعتراف أن هناك العديد من الفئات في المجتمع التي تشعر بالتهميش، سواء كان ذلك اقتصادياً أو سياسياً أو اجتماعياً، وعلى رأسهم الشباب الأردني الذي يبحث عن حلول لاغترابه أو تهميشه؛ فالبعض ينطوي وينعزل، والبعض يذهب للمخدرات، والبعض الآخر يذهب للتطرف.
إن التطرف ليس حالة معزولة، بل مستشرية وموجودة بدرجات متفاوتة لدى فئات عديدة. وقد بات من الضروري "النظر للداخل"، وإجراء مراجعة علمية موضوعية لما يحدث في مجتمعنا وشبابنا ومؤسساتنا، لنتمكن من الفهم العميق لهذه الظاهرة الخطيرة بأبعادها المختلفة. لا بد للحكومة أن تنفتح على المؤسسات العلمية والمراكز البحثية لقيادة جهد وطني لمجابهة هذه الظاهرة الخطيرة. الخطوة الأولى في معالجة هذه المشكلة هي إعادة قراءة للخطب والرسائل الملكية التي بلورت فهماً معمقاً ووضعت رؤية للمعالجة بأبعادها الأمنية والسياسية والفكرية.
حتى الآن، الذي يقود المعركة بنجاح ضد الإرهاب والتطرف هي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، فيما يقابله عجز حكومي بالتصدي للأبعاد السياسية والأيديولوجية. هذا التحدي مطروح أمام الحكومة الحالية، والتي يجب أن توفر القيادة بهذا الموضوع.

التعليق