جمانة غنيمات

قضية البقعة: أجمل العبر وأقبحها

تم نشره في الأربعاء 8 حزيران / يونيو 2016. 11:10 مـساءً

تتبرأ عشائر بئر السبع من أحد أبنائها، الذي تسبب بجريمته في البقعة باستشهاد خمسة من منتسبي جهاز المخابرات العامة. ووالد الجاني تجرى معه مقابلة تلفزيونية، يعلن فيها إدانته للعمل الإرهابي الإجرامي. لكن، من قال إنهم يؤيدونه أصلا؟ ولماذا؟
النائب السابق والقانوني مصطفى ياغي يصدر، بدوره، بياناً مشابها؛ يدين فيه العمل الإرهابي. وهنا أيضاً لا أدري ما علاقة ياغي بالجريمة، حتى لو كان القاتل ابن اخته، لاسيما وأن النائب السابق شخصية معروفة للناس؛ بمنطقها ومواقفها.
هل كل أولئك مضطرون لفعل ما سبق؟ بصراحة وبساطة شديدتين: لا. ففي دول القانون والمؤسسات، يحاكم الجاني وحده على جرائمه، فلا يذهب بجريرته أي فرد آخر؛ أكان من عشيرته أو حتى أسرته. لكننا، وللأسف، نجد أنفسنا في كل مرة مدفوعين بفعل أقلية مغرضة، للعودة إلى أصغر مربع عشري في التفكير البدائي، فنغفل -ليس جميعاً بالتأكيد- عن القصة الرئيسة والبدهية؛ أن العمل الإرهابي فردي، لا يحاسب عليه إلا فاعله.
ما أحزنني أن مكونا أصيلا في مجتمعنا ما يزال يخشى في كل مرة يقع فيها حدث إرهابي، من أن يكون المتهم/ الجاني منتمياً لهذا المكون، مع ما يلحق ذلك من مخاوف وتبعات، تؤدي إلى أجواء مرضية تشكل للبعض بيئة مثالية لتوتير الأجواء فقط.
طفل أحد الشهداء الخمسة -تماما كوالد المتهم- تم استخدامه في معركة إعلامية تعبوية ذات أساليب باهتة لا تخدم أحدا؛ لأن الموقف النهائي للناس جميعا تجاه الإرهاب محسوم، فلا يحتاج إلى استغلال طفل بريء فقد والده للتو، وانتهكت حقوقه بتصويره وتلقينه كلمات مهما كانت مهمة، إلا أنها لن تغطي على شعوره بالفقد لوالده. وما توظيف الطفل إلا جريمة أخرى بحقه؛ إذ تضحّي ببراءته وحقوقه الطبيعية.
فشل هدف الهجوم الإرهابي غير المعلن؛ وهو إحداث الفتنة بين مكونات المجتمع الأردني. وذلك بفعل وعي رسمي تنبه لخطورة القصة؛ وأيضا وعي مجتمعي، تبخرت معهما الأصوات العنصرية التي ظهرت لأسباب تتعلق بالجهل وغياب الوعي. وتالياً، غاب أصحاب النفوس الصغيرة عن المشهد، لتعود الأمور إلى نصابها في غضون ساعات.
الأخطاء المهنية الخطيرة من وسائل إعلام، كانت حاضرة، أيضاً. إذ قرأنا، مثلاً، أخبارا لوكالات عالمية تتحدث عن خمسة قتلى في أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في المملكة! بما يجسد افتقادا للمهنية والحرفية على الأقل، أو يخفي خلفه أمراضا إقليمية لا تنفع إلا من يسعى إلى الإضرار بهذا البلد ووحدة أهله.
ويبقى قرار منع النشر في القضية، والذي كان آخر القرارات التي تؤكد فكرة استسهال التضييق على الحريات، وحرمان الناس من معرفة الحقيقة بشأنٍ آلمَهم وصدمَهم. والآن، سيبقون فريسة سهلة لمواقع التواصل وبعض ناشطيها ممن يبثون الكذب والفتن، من دون إعلام مهني يبحث بحق عن المعلومة.
اللافت أن "منع النشر" الذي يشمل المؤسسات الإعلامية، جاء بعد أن تداول الناس كثيرا من المعلومات والتقارير السرية المتعلقة بالتحقيق وتفاصيل القضية؛ بمعنى أنه لم يعد بالإمكان حجب المعلومات في زمن بات العالم فيه قرية صغيرة.
بعد كل ذلك، يظل لفجيعتنا بالشهداء الخمسة جانب إيجابي، يتمثل في أن كل أردني حارسٌ للوطن وأمنه. وشباب عشائر العدوان قدموا أنموذجا نبيلا راقيا في المواطنة الحقة، وهم من ألقى القبض على المتهم بارتكاب الجريمة النكراء، فأصيب اثنان منهم. هنا نعلم أن كل مواطن جندي على جبهة الوطن، لكن من دون أن يعني ذلك عدم المضي في سحب السلاح غير المرخص، لأننا عانينا كثيرا من انتشاره بين أيدي الناس من دون حسيب ورقيب.
يبقى السؤال الأهم: متى خسرنا الفتى المتهم، فتحول إلى إرهابي؟ في أي غفلة ضاع من عائلته ومجتمعه ومدرسته، ومنا جميعا، فصار يحمل كل هذا الظلام والإرهاب بداخله؟ وعلينا أن نسأل أنفسنا، تالياً: أين النادي والمدرسة والمركز الثقافي والمناهج والعدالة وفرص العمل، والعمل الحزبي؟ ترى لو وجد كل ما سبق، هل خسرناه، فصار وحشا بلا قلب وضمير، اختطف من بيننا خمسة شباب آخرين بعمر الورد؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يسلم قلمك (راتب حجاوي)

    الخميس 16 حزيران / يونيو 2016.
    تحدثت باسم الشرفاء والمخلصين في حب هذا الوطن
  • »فساد (احمد الطوالبة)

    الجمعة 10 حزيران / يونيو 2016.
    التضييق على الحريات و التعامل مع المواطن و الوطن كانهم قاصرين يزيد الطين بلة ....
    كل التضييق الاعلامي و تقييد الحريات لا تخفي الحقائق هل يتخلى الدولة عن التفكير بعقلية عرفية ...؟
  • »شهداء الواجب (فيصل التميمي/ذيبان)

    الجمعة 10 حزيران / يونيو 2016.
    اصبتي كبد الحقيقه واي اعلام واعي يجري مقابله في اول ايام العزاء مع والد الغادر والخائن لوطنه الايعلم الاعلام انه يثير الفتنه بين اطياف الشعب ولولا وعي المواطن لدخلنا في فتنه لن تنتهي في سنوات. كل الاحترام والعزاء لاسر الشهداء
  • »يسعد قلبك يا جمانة (حنان صبري)

    الجمعة 10 حزيران / يونيو 2016.
    انا شخصيا تعرضت لاساءات على الفيس كأصداء لما حدث... انا مواطنة اردنية و لوهلة حسيت اني منبوذة و في أي لحظة يتم تقنين مواطنتي و الانتقاص منها ... شيء محزن جدا
  • »عمان (ايمن النوباني)

    الجمعة 10 حزيران / يونيو 2016.
    كلام صحيح 100% والله يحمي الاردن وشعب الاردن
  • »العنصرية والجهل هما سبب ما نحن فيه (سعود)

    الجمعة 10 حزيران / يونيو 2016.
    للاسف كثير من يستفيد من تغذية الجهل والعنصرية وخاصة الفاسدين المفسدين لذلك نراها تكبر وتزداد حسبي الله ونعم الوكيل
  • »ن (عدنان خريسات)

    الجمعة 10 حزيران / يونيو 2016.
    وضعت أصبعك على احد الجروح العميقه
  • »الشونه الجنوبيه (احمد خليل ابو طه)

    الجمعة 10 حزيران / يونيو 2016.
    اجمل ما قرات وحقيقه موضوع في غاية الاهميه
    تستحقين التقدير والاحترام لما طرحتيه فحقيقه هذة الصحافه الحقه المتميزة التي تحاول ان تضع النقاط على الحروف وتوصل رسالتها لاطياف الشعب ومكوناته
    سلمتي وبارك الله فيكي
  • »قضية البقعة (منير شيشا)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    كل ماتم سرده في المقال لاغبار عليه ولكن بالاضافة لما تم سرده هناك خطا امني واضح في منظومة الحماية في هدا المركز الامني الهام . فاين الخفارة الخارجية ؟ اين المنظومة الامنية الداخلية ( الكاميرات ) ؟ اين المناوبات الامنية ؟ والعديد من التساؤلات .
  • »ابدعت (ابراهيم عبدالرحمن الخلوف)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    انت ومقالك تستحقان التقدير
  • »قضية البقعة أجمل العمرواقبحها (عبدالقادر أبو دامس)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    مساؤك خير وبركه اختي الفاضله
    صحت حروفك اختي وقلت ما جال في خاطري ولم تبقي لقلمي شيء والا أن تحدثتي فيه ولم يبقى إلا أن اثني عليك أخت جمانه أبدعت واحسنت النشر.
  • »وكانك في عقولنا وقلوبنا (مفيد)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    احسنتي على هذا الطرح الرائع لا نريد انا نخسر شبابنا يجب معالجة الخلل الذي اوصل هذا الشباب وغيره لهذه الدرجه من عدم الاحساس والتيه تحت مسؤلين والدولة مسؤله والمجتمع يجب ان يقف ويحاسب والدولة تحاسب ولا يترك وحده يحمل الخطيئة كلنا شركاء فيها
  • »جريمة البقعة... هل هم مضطرون؟ (محمد حسن النحاس)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    في مقال اليوم للسيدة رئيسة التحرير. تتساءل بعد أن أستعرضت بعضا من الذين أدانوا و استنكروا وتبرأوا: هل كل أولئك مضطرون لفعل ما سبق؟ وتجيب " بصراحة وبساطة شديدتين:لا". بالصراحة واالبساطة الشديدتين ذاتهما كانا مضطرين لفعل ما سبق وأكثر اذا لزم ألامر.هل رأيت يا سيدتي ماذا فعل ألاعلام وهو يركز على أن مكان الحدث مان مخيم البقعة في الوقت الذي وقع الحدث في عين الباشا؟ أقرأت يا سيدتي ما كتبه أحد الكتاب .. حيث قال: " تعلم المخابرات عن وجود منظمات غير داعش في المخيم". وسؤالي هو: لماذا يتم ربط حدث ما قام به شخص او اشخاص بمكون مجتمعي كامل في الوقت الذي ندعي فيه أننا دولة قانون وأنه لاتزر وازرة وزر اخرى؟ ألا يدفع هذا الربط الظالم كل أولئك الى الهرولة المجنونة للتبرؤ درأ لإيهام مسبق ؟
    تقع المسؤولية الاساس على الاعلام الذي ينطلق من افتراضات مسبقة لم بقم عليها دليل او برهان. الاعلام داؤنا ودواؤنا.
  • »جميييل (عبدالرحيم الزعبي)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    "ولا تزر وازرة وزر أخرى" ... آية
    "هذا عكرمة بن أبي جهل قادم فلا تسبوا أباه فإن هذا يؤذي الحي ولا يصل إلى الميت" ... حديث
    يعيدني مقالك إلى تبادل صور لإرهابي فاجعة إربد على شبكات التواصل الاجتماعي، والحقيقة أن تداول هذه الصورة بالذات لم يكن لائقا فهي صورة تضم المجرم وطفله الذي لم يتجاوز الخمس سنوات وهم في نزهة ... هذه الصورة المتبوعة بكيل الشتائم واللعنات ستترك أثرا سلبيا مزمنا لدى هذا الطفل
  • »اسود عشائر العدوان لم تجعل القاتل يمر من بين صفوفها (الفناطسة)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    لقد طرحت سيدتي الفاضلة هذه العبارة للاستفتاء العام، إذ علينا فعلا المضي قدما وبشجاعة في سحب السلاح غير المرخص، لأننا عانينا كثيرا من انتشاره بين أيدي الناس من دون حسيب ورقيب.
    رغم ان القاتل كان مسلحا وخطيرا الا انه وقع بين ايدي اسود شباب العدوان فاعتقلوه وقيدوه وسلموه لرجال الامن وذلك لان سلاحهم هو قلوبهم القوية الشجاعة التي لا تعرف الخوف والغدر.
  • »أين المسجد !! (أبو عمار)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    ولماذا لا نسأل أيضا أين المسجد ؟ ودوره الحقيقي في نشر الوعي والفكر الإسلامي المعتدل !!
    وحتى متى يبقى المسجد تحت وصاية الأجهزة الرسمية ويبعد عنه صفوة الخطباء والوعاظ الذي لهم حضور وقبول في الشارع ويمثلون مدرسة الاعتدال !!
  • »نعم وألف نعم (مواطن)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    حجب المعلومات لا يخدم المصلحة العامة . لقد كان نصف نشرة الاأخبار في تلفزيوننا الوطني عن الحادث دون ان تعطينا أي معلومات هذه قمة المأساة في إعلامنا .احتل استنكار من ابناء الشعب والرسميين والمسئولين كل الخبر دون الاجابة على الاسئلة التي أثارها الحادث وجعلتنا جميعاً فريسة للاشاعات ووسائل الاتصال الاجتماعي .

    متى تتقدم وسائل اعلامنا لتقوم بدورها في إعلام وتفهيم المواطن برواية الحدث لتنجنب العبث بعقول الناس والاستهتار بها من قبل كل الأطراف.

    المؤلم أيضاً أن النتيجة الحتمية لاعلام رسمي كهذا هو استعداد الفريقين للفتنة بجهلهما المتأصل بالمواطنة الحقيقية وغياب الايمان لديهم بان المستقبل والاستقرار الذي نتوخاه لا يتم في غياب اعلام واعي صريح يؤمن بمهمته ودوره.

    الصراحة والحقيقة هما الدعامات الحقيقية لأي ثقافة وأي مجتمع تحت مظلة القانون الواحد الذي يطبق على الجميع بالتساوي ويؤمن به الجميع ولا يخضع للتجزأة . واحد أحد وللجميع يطبق بعدالة ورحمة وحزم .

    أبناء عشائر العدوان درس لنا في المواطنة الحقيقية عبر ايمانهم بالقانون .
  • »نعم،،،،نحن مجتمع اسري و عشائري. (عبدالمنعم بركات النهار)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    ما من شك أن الكاتبة الفاضلة ذات فكر تقدمي، تحرص على تطوير المجتمع ونقله الى مصاف المجتمعات و الدول الراقية والمجتمعات الأكثر حضارة، اذا صح التعبير.

    ولكن في المقابل، علينا ان ننطلق من الواقع قبل القفز الى المراتب العليا في العالم اليوم.

    من الواضح ان الفاضلة جمانة قد وقعت بالفخ ذاته الذي كان موضع انتقاد بداية المقال، الا وهو العشائرية والعلاقات الاسرية.

    ومن ناحية اخرى، أنا شخصيا، لم اجد ان التواصل مع ابن احد الشهداء يُعد جريمة، تضحي ببراءته، على حد تعبير المقال، بل هو جزء من بناء جيل يشعر بالانتماء للوطن، بالرغم من الخسارة الفادحة الذي تعرض لها.

    اذا أردنا التغيير للافضل، فلا بد لنا ان ننطلق من الواقع.... نعترف به، ندرس سيئاته وحسناته، ومن ثم نطرح الحلول والبدائل.

    ومما لا شك فيه، اننا لا نستطيع حل المشاكل "المجتمعية" من خلال مقال او تصريح صحفي، مليء بالمتناقضات...

    تغيير المحتمعات لا يأتي من خلال الصحافة، بل من خلال بناء الانسان في بيته وفي مدرسته، من خلال المناهج التربوية والاخلاق.

    كنت أتمنى ان تطرح الأخت الفاضلة التساؤلات التي وردت في نهاية المقال من غير التعقيب على الوقائع والحيثيات. هذا هو جوهر الحدث والحديث، وليس العلاقات الأسرية او العشائرية.
  • »المعركة الآن بين الإرهاب والاعتدال (إسماعيل زيد)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    صح لسانك سيدتي على هذا المقال الرائع والشامل الذي لخص ما بداخل كل أردني معتدل. إن التطرف لا يعنى بالأشخاص المتدينين من كل الديانات فقط بل حتى يصل إلى من يحاول أن يصنع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد من شتى الأطياف من اديان مختلفة او كانوا من اصول جغرافية مختلفة فالتطرف لا يعرف هذه التقسيمات مطلقاً فكل ما يعرفه هل هذا الشخص من جماعتي المتطرفة أم لا فإذا لم يكن كذلك فدمه حلال عليه هذا هو المنطق الذي يعيشون به فلا اهتمام لاب أو أخ أو عشيرة اذا لم يكن متطرفا من جماعتي.
    رحم الله شهداء الاردن واسكنهم فسيح جناته.
    حمى الله الاردن.
  • »وطنية وعنتريات (خالد صالح)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    لو كان الاعلام السائد بمستوى هذا المقال ،لساهم مساهمة كبيرة في نشر الوعي الصحيح بين الناس،عندما تمنع النقاش في تناول قضايا حساسة ،فهذا لا يعني ان الوباء غير موجود،هناك شوط طويل بانتظار من يريد ان يحدث تغييرا في عقول الناس ،تعلموا من أمريكا كيف تحتفل بحياة ملاكم مسلم اسمه محمد علي .وقبل هذا وهو الأهم تعلموا من كتاب الله تعالى انه لا تزر وازرة وزر اخرى وكل فرد هو الوحيد المسؤول عن افعاله.
  • »احسنت (سعيد شقم)

    الخميس 9 حزيران / يونيو 2016.
    تناولت جوانب مختلفة في المقال كلها ذات وزن. ونحترم رايك وما كتبت.