ما أحوجنا لبركات شهر رمضان!

تم نشره في الجمعة 10 حزيران / يونيو 2016. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

ها قد دخل علينا شهر رمضان ببركته التي ينتظرها المؤمنون ببالغ الشوق كل عام، لما فيه من رحمة وسكينة وإيمان. أليس هو شهر القرآن الذي جعله الله شفاء لما في الصدور، وهدى ونورا، فكيف لا يشتاق له المؤمنون ببالغ الشغف والترقب؟!
وبركة رمضان لا تقتصر على مضاعفة ثواب الأعمال الصالحة فيه، وعظم أجر الصائم؛ بل إن من بركة رمضان الإيمان والسكينة التي تصاحبه وتلفّ قلوب الناس، فتجد معظم المسلمين يستقبلون رمضان بإقبال على الصلاة والقرآن والذكر، ومساعدة المحتاج ورعاية اليتيم، وصلة الرحم وتزاور الأقارب.
ومن بركة رمضان، صلة العبد بربه من خلال تلاوة القرآن وصلاة القيام؛ حيث تتجدد صلة القلب بكلام الرب سبحانه وتعالى في علاه، فتُجدد الثقافة الإيمانية بأبواب الخير الواجبة والمستحبة، وتُجدد الموعظة القرآنية على القلب بالنهي عن الفواحش والمنكرات والآثام.
فكم من قطيعة رحم انتهت في رمضان، أو أكلٍ لمال يتيم أو فقير انتهى في رمضان، وميراث ممنوع عن مستحقه وخاصة من النساء عاد لأهله، وذلك بعد موعظة القرآن للقلوب المقصرة. وهذا من بركة رمضان.
ومن بركة رمضان، هداية الخلق لطريق الحق. وقد فُجع الأردنيون في فجر أول يوم من رمضان باستشهاد خمسة من رجال الأمن، على يد مجرم لم يتورع عن إطلاق النار لاحقاً على من صلى معهم صلاة العشاء؛ فكان من بركة رمضان أنه يبين عوار هذا المنهج المتطرف المنحرف الذي يدّعي أصحابه نصرة الإسلام والجهاد، وحقيقته قتل أعمى، وقتل حتى في المسجد، فأي دين هذا وأي إسلام! فكشف باطل هؤلاء الغلاة لعامة المسلمين هو من بركة رمضان. كما أن من بركة رمضان ما حصل لهؤلاء الضحايا من أجر عند الله إن شاء الله، بسبب قتلهم غدرا وظلماً وفي وقت شريف مبارك.
ومن بركة رمضان الصبر والثبات والتقوى التي تنزل على القلوب المؤمنة، برغم ما تلاقيه من ظلم وعدوان وقتل على يد الطائفيين من داخل الأمة، وعلى يد المجرمين من خارجها. وها هي الأخبار عن ثبات المجاهدين وانتصارهم على الأعداء تبشر بخير وبركة.
وها هي الأمة تتضامن مع المستضعفين فيها بالدعاء والمساعدة والغوث والعطاء، ما يجسد وحدتها وتجمّعها على الاعتصام بحبل الله المتين؛ فحملات العطاء والبذل لا تتوقف، ويشارك فيها الجميع، الغني والفقير، القوي والضعيف، وهذا من بركة رمضان.
أيضاً، من بركة رمضان تجمع المسلمين في أنحاء العالم على إحياء شعيرة صلاة التراويح التي تكشف عن عمق رسوخ الدين في حياة المسلمين. فهذه مئات الملايين التي تنبذ السهر واللهو لتصفّ أقدامها في بيوت الله عز وجل تستمع لآيات القرآن الكريم، لهي مما يغيظ الشيطان وأعوانه في كل مكان.
ومن بركة رمضان إقبال الناس على أداء العمرة فيه، حتى امتلأت جنبات الحرم بالطائفين والعاكفين والركع السجود، والحمد لله رب العالمين.
إن من بركة رمضان أنه يجدد شباب ونشاط الإيمان في قلوب الأمة، من الرجال والنساء والشباب والشابات، ويكشف للجميع أن الإسلام هو هوية الأمة الحقيقية، وهو محور اجتماعها على اختلاف لغاتها وأشكالها وقومياتها وبلادها. فالإسلام والقرآن يَعبران هذه الحواجز التي يستميت الأعداء لترسيخها لتفتت وحدة المسلمين وتفرق صفهم وتعطل نهضتهم وتؤخر قوتهم.
ومن بركة رمضان أن مئات الملايين التي تُنفَق سنويا على إضلال المسلمين بعشرات المسلسلات التافهة في الشكل والمضمون، لا تحقق لأصحابها ما يرجون، لمخالفتها للفطرة السوية ولمصادمتها الصريحة لهوية الأمة، هذه الأمة التي لو تعرضت أمة أخرى لبعض ما تعرضت له في مجال الفن لفقدت هويتها بالكامل وتبدلت إلى مسخ جديد.
كذلك، من بركة رمضان أن الصائمين والقائمين والمصلين والمجاهدين والتالين للقرآن يخرجون من رمضان بعزيمة أقوى على الطاعة للرحمن، والصبر على البلاء وفي وجه العدوان، وقد زاد جمعهم وكثرت عدتهم.
بركة رمضان أن ترى معالم خيرية هذه الأمة في وحدتها في الصيام والصلاة، وفعل الخير ونصرة المظلوم. هذه المعالم التي يهملها الإعلام العالمي، ويركز على أخبار الكوارث والمصائب ليفت في العضد ويهون العزائم، ويتجنب ذكر جوانب قوة المسلمين وفضلهم وتميزهم، لصالح خبر إنقاذ هرة من على شجرة، ودولفين من شبكة!
كما أن أخبار تكاتف الأمة المسلمة من شرقها لغربها في نصرة المظلوم والضعيف برغم مئات البراميل الروسية والإيرانية والسورية المتفجرة على رؤوس الناس في سورية والعراق، لا يكترث لها الإعلام؛ كيف تحيي عناصر الدفاع المدني من المدنيين في مدن منكوبة قصة لا تلفت أنظار الإعلام، هذا الإعلام الذي يقوم على قاعدة الإثارة أن "رجلا عض  كلبا" هو الخبر، وليس "عض كلب رجلا"!
تخيلوا مئات الآلاف من الأيتام والأرامل والمصابين تقوم بهم الأمة، ولم نسمع عن حالات انتحار أو استسلام، بينما الأمم الغنية التي تدعي التقدم والمدنية في الغرب والشرق، رفضت أن تساهم بجدية في خدمة اللاجئين وفرضت عليهم قيودا مشددة تمنعهم من دينهم، بل دفعتهم في بعض الحالات والأماكن لترك الإسلام من أجل الحصول على الإقامة في أوروبا.
إن شعار الثورة السورية "ما إلنا غيرك يا الله" هو حقيقة قوة الأمة وهويتها، وهو الذي يتحقق لها في شهر رمضان، حيث بركة الصيام والقيام تمد القلب بالطمأنينة وترشد إلى المزيد من التكاتف والتعاون والأخذ بالأسباب، فتتحقق البركة للجميع، فيقترب النصر ويندحر العدو، ويثبت الرجال بدعم النساء الصالحات اللواتي يقدمن الإيمان والكرامة على لذات الدنيا وشهواتها.
من بركة رمضان أن يجدد للأمة بوصلتها التي تتوجه من المحراب إلى القبلة؛ الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، والتي ربطها الله عز وجل بالقبلة الأولى في بيت المقدس في رباط وثيق لا ينفصم حتى تقوم الساعة. وقد أصبحت ساحة "الأقصى" تُنافس ساحات الحرمين في كثرة الذاكرين والذاكرات والعاكفين والعاكفات، وهذه بشرى خير يعرف قدرَها أهلُ البصيرة والإيمان.
وفي الختام؛ إن بركة رمضان معروضة لكل مريد ولا حد لمستزيد. فالبدار البدار لننال من هذه البركات ما يقوينا في ديننا ودنيانا، بالحرص على طاعة الرحمن على سُنة النبي العدنان والسير على نهج الصحابة الكرام الذي نقلوا هذه البركة للعالمين، فعمّ نور الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، وظلل العدل ربوع الدنيا، فنعمت البشرية بأزهى عصورها في ظل حضارة الإسلام التي شادها الصحابة رضوان الله عليهم، والتي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في نهاية الزمان تعود خلافة على منهاج النبوة، وليست خلافة "داعش" الضالة الظالمة.

التعليق