براكية ‘‘أم علي‘‘: المعاناة والمستقبل المجهول يفتكان بسبعة أطفال

تم نشره في الأحد 12 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 12 حزيران / يونيو 2016. 11:47 مـساءً
  • براكية ام علي من الداخل.. فقر وغياب ابسط الشروط الانسانية - (الغد)

نادين النمري

عمان- مجردين من أي رعاية عائلية او متابعة لاحتياجاتهم، يعيش أطفال عائلة أم علي السبعة، في منزل عشوائي (براكية) في ضاحية الرشيد، المنطقة الراقية في عمان، وذلك، بعد أن أصيبت الأم بمرض عصبي، أفقدها اهليتها وقدرتها على رعاية أطفالها.
الأب تخلى عن رعاية الأطفال قبل نحو عامين، فيما كانت الام الراعي الوحيد للعائلة، لكن اصابتها بمرض عصبي نتيجة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية قبل نحو 10 أشهر، جعل منها فاقدة للادراك والوعي، وغير قادرة على ادراك ما يجري حولها.
يقول الأطفال، الذين التقتهم "الغد" في "منزل" العائلة، انهم لم يذهبوا إلى المدرسة منذ تدهور الحالة الصحية لوالدتهم. يبرر الشقيق الأكبر علي انقطاعه عن الدراسة هو وشقيقته الكبرى عذراء، بالمسؤولية الملقاه عليهما برعاية والدتهما وخوفهما على سلامتها.
"ما بقدر أروح عالمدرسة.. أمي صحتها تعبانة.. بطلت تعرف حد، حتى اخواتي الصغار بطلوا يروحو هم هيك بدهم أساسا.. نحن ما بنعرف نقرأ ولا نكتب"، يقول علي.
ممددة على أرض غرفة، تخلو من الشبابيك والابواب، تكرر الام عبارة "ولادي ضربتهم الكهربا، لو ودّيتهم (أرسلتهم) للميتم كان احسن"، إلى جانب هذه العبارة، تردد الام كلمات وجملا غير مفهومة. لا تعرف أيا من المحيطين بها، حتى أبناءها الذين تعتقد انهم اموات.
تشرح إحدى جارات "أم علي"، وتقطن في بناية مجاورة، مأساة جارتها، وتقول السيدة، التي طلبت عدم الافصاح عن هويتها: "نعرف عائلة أبو علي منذ 15 عاما، كان الزوج يعمل في رعاية المواشي لأحد ملاك الاغنام، إلى أن استغنى مالك الحلال عن خدمات الزوج".
وتتابع "فشل الزوج في الحصول على وظيفة دائمة، حتى المهام البسيطة كإعداد القهوة والشاي أو ايصال مشتريات البقالة لربات المنازل في المنطقة فشل بها، كانت أم علي المعيل الوحيد للعائلة عبر عملها في تنظيف منازل الحي، كانت العائلة تحصل كذلك على مساعدات من السكان".
نتيجة لساعات العمل الطويلة، والحمل المتكرر، اصيبت أم علي بانزلاق غضروفي بفقرات العمود الظهري، الامر الذي زاد من صعوبة الوضع الاقتصادي للعائلة، كما تقول الجارة، التي تلفت الى انه بعد أن هجر الاب عائلته استحقت الأسرة معونة شهرية من صندوق المعونة الوطنية.
لا يكفي راتب المعونة شيئا، جميع أطفال الأسرة مصابون بأمراض مختلفة، من الربو إلى نقص التروية وصعوبات النطق، اما الام فقد خضعت لعملية في عمودها الفقري بمستشفى الأمير حمزة الحكومي، لكن العملية فشلت وبعد ذلك بدأت تظهر عليها علامات الذهان.
تقول السيدة "خوفها على أبنائها وشعورها بالذنب لعدم قدرتها على رعايتهم، وتلبية احتياجاتهم، كان السبب وراء تدهور حالتها الصحية"، مضيفة "قبل اشهر اصطحبتها في زيارة إلى طبيب أعصاب، قال ان وضعها الصحي سيئ جدا، وتحتاج لعلاج في مركز متخصص خصوصا مع رفض ام علي الالتزام بتناول الدواء".
إلى جانب المعونة الوطنية تحصل العائلة على معونات مواد غذائية من بعض المحسنين. المشكلة أن الأطفال لا يجيدون الطبخ، حتى مع وجود الطعام يبقى الأطفال جياعا، تقول السيدة.
ليست المشكلة فقط طهي الطعام، بحسب مشاهدات "الغد"، فان الأطفال في حالة اهمال شديد، ملابسهم ممزقة ومتسخة، يقع سكن العائلة العشوائي على شارع رئيسي، غالبا ما يركض الأطفال الاصغر سنا في الشارع، دون ادراك لمخاطر حوادث السير، ينام الأطفال وأمهم دون اغلاق باب المنزل.
طلبت مندوبة "الغد" من الأطفال (علي، عذراء، محمود، رنا، عيسى، سحر ووزة) كتابة اسمهم الاول، باستثناء رنا لم يتمكن أيا منهم من كتابة اسمه، كانت الكتابة أشبه بخطوط غير مفهومة.
تقول رنا (11 عاما) "بحب المدرسة بس البنات بقوليلي لا تيجي، ما بنحبك ريحتك مش حلوة، المعلمات كويسات كانوا يعطوني ساندويشة، خلص هيك احسن بدون مدرسة".
منذ انقطاع الاشقاء الخمسة عن الدراسة مطلع الفصل الدراسي الأول الماضي، لم تبادر إدارات المدارس إلى الاستفسار عن سبب انقطاع الأطفال عن الدراسة.
تقول الجارة: "نحاول مساعدتهم قدر المستطاع، فشلت في اقناع الأطفال بالعودة إلى الدراسة، في ظل عدم وجود شخص بالغ داخل الأسرة، يرعى شؤونها يبقى مصير الأطفال مقلقا".
لدى العائلة ملف في إدارة حماية الأسرة، بحسب الجارة، التي تبين ان "موظفين من الإدارة قاموا بزيارة الأطفال أكثر من مرة لكن لم يتم اتخاذ أي اجراءات لحمايتهم".
لا تمارس الام أي نوع من العنف ضد أطفالها، بحسب الأطفال، فإن أمهم كانت حنونة جدا قبل مرضها، لكنها اليوم لا تدرك تصرفاتها. سبق وأن تعرض منزل الأسرة لحريق بسبب تماس كهربائي، لم تتمكن الام من القيام بأي اجراء لانقاذ المنزل.
تشير الجارة إلى ان الوضع "مخيف"، فالام "بحالة سيئة جدا تستدعي العلاج في المستشفى، كما ان البيئة التي يعيش بها الأطفال خطرة جدا، ينبغى ان توفر الحماية للأطفال بنقلهم إلى دار رعاية، خصوصا أن اقاربهم تخلوا عنهم، وكل ما يهمهم ان لا يعرف أحد في قريتهم بحال اقاربهم في عمان".
تقول: "مع تزايد الحديث عن الجرائم العائلية، والمخاطر التي يتعرض لها الأطفال، نتيجة سوء الرعاية أخشى على مستقبل هؤلاء الأطفال".

nadeen.nemri@alghad.jo

التعليق