الغلو والتطرف يعالَجان بالعلم أولاً والحزم ثانياً

تم نشره في الجمعة 17 حزيران / يونيو 2016. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

الغلو والتطرف مشكلة عالمية، تعاني منها سائر الأمم والثقافات. وفي عصرنا الحاضر، عَرفت أمة الإسلام ظاهرة العنف والتطرف من قبل تيارين متباينين؛ الأول، تيار غير الملتزمين دينياً، كالجماعات الثورية الماركسية والجماعات السياسية والوطنية التي ملأت المشهد السياسي قبل عقود قريبة، ومارست كل الجرائم الإرهابية في دول عربية كثيرة، من الاغتيالات والتفجيرات والانقلابات وخطف الطائرات وغيرها. لذلك، فإن كثيراً من الوعظ البارد من هذه الجماعات ورموزها بخصوص محاربة الإرهاب والتطرف الآن لا قيمة له.
ثم تسلّم الراية منها التيار الثاني، الديني. فظهر تيار التطرف والإرهاب الشيعي الذي تصاعد غلوّه وإرهابه مع نجاح نظام الخميني في الهيمنة على الحكم في إيران نهاية سبعينيات القرن الماضي، فقام بالتفجيرات والاغتيالات والفوضى والانقلابات وخطف الطائرات في عدد من البلاد العربية. ثم حدثت حالة كمون لهذا التيار المتطرف. لكنه عاد للنشاط بفعالية كبيرة في السنوات الأخيرة، إنما مع مزيد من الخبث؛ فقد تجنب ممارسة الإرهاب بشكل مباشر ضد المصالح الغربية والدولية، وركز جرائمه الإرهابية ضد الشعوب المسلمة، السُنّية تحديداً. ولذلك، لم يجد استنكارا ورفضا عالميين، بل كلما أمعن في الغلو والتطرف والإرهاب تحسنت وضعيته في اللعبة السياسية الدولية. ولعل مفاوضات جنيف السورية والكويت اليمنية شاهد ودليل على ذلك!
جاء بعد ذلك تيار الغلو والتطرف والإرهاب السُنّي، الذي حظي برعاية ودعم من نظام الخميني منذ اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات العام 1981. وما يزال نظام خامنئي في طهران يدعم ويستغل تيار التطرف والإرهاب السُنّي لتحقيق مصالحه. وقد أصبح اليوم معروفا عمقُ العلاقات الإيرانية مع غالب الجماعات المتطرفة السُنّية، وأنها دُعمت بالمال والسلاح من قبل طهران، وأن كثيرا من هذه الجماعات قدمت لإيران خدمات جليلة، لا تقتصر على مهاجمة خصوم طهران وتحطيمهم، وتفريغ الساحة لقدوم النفوذ الإيراني عليها.
وإذا كانت بداية فكر التطرف والغلو والإرهاب في الوسط السُنّي بظهور جماعة "الهجرة والتكفير" بقيادة شكري مصطفى، ومن أهم أسبابه التعذيب والوحشية في سجون الناصرية بمصر، فقد ساعد على ذلك الجهل الشرعي عند معتنقي هذا الفكر. فقد أظهر هذا الغلو تحت التعذيب الشديد الشيخ الأزهري علي إسماعيل، لكنه سرعان ما تراجع عنه في السجن، بينما أصرّ على فكر التطرف والغلو شكري مصطفى، طالب كلية الزراعة وغير المؤهل شرعياً، وصغير السن أيضاً؛ إذ كان ما يزال في سنته الثالثة في الجامعة حين اعتقل العام 1965 وتبنى هذا الفكر المتطرف!
وساعد على رسوخ التطرف والغلو في جماعة شكري تساهل الدولة المصرية المتعمد مع هذه الجماعة لحسابات سياسية، بحسب موسوعة "العنف في الحركات الإسلامية المسلحة"، للمحامي مختار نوح. والذي يشير أيضاً إلى أن القذافي تواصل مع شكري مصطفى عبر عبدالمنعم عبدالسلام الأردني، وعرض عليه دعمه بالمال والسلاح للقيام بعمل ضد نظام السادات!
هذه العناصر الأربعة: الظلم والتعذيب من السلطات، والجهل الشرعي عند المنتمين، وتلاعب الأجهزة الأمنية المحلية، وتلاعب الدول الأخرى، هي التي ولّدت ظاهرة العنف والتطرف والغلو المعاصر. وما تزال هذه العناصر تتفاعل مع الظاهرة بصورة أكثر تركيزاً وتركيباً، بشكل أو بآخر.
وقد بقيت جماعات التطرف والعنف السُنّية تعمل في إطار محلى حتى بداية التسعينيات من القرن الماضي؛ إذ انتقل منذئذ نشاطها من طابع محلي إلى طابع عالمي. وتوج ذلك بإعلان ظهور تنظيم "القاعدة" العام 1998، من أفغانستان.
بعد هذا الاستعراض لجذور التطرف والغلو المعاصر في أمة الإسلام، نأتي لقضية العلاج والتعامل السليم مع هذه المشكلة، والتي لم تُجْد معها الحلول الأمنية ولا الحلول العلمانية، لأنها مشكلة ذات جذر ديني شرعي، فإن لم يعالج هذا الجذر فإنه سيظل يلتهب كل فترة.
للتعامل الصحيح مع مشكلة الغلو والتطرف بين الشباب، يجب تذكّر أن الجهل بالإسلام وأحكامه الشرعية في التعامل مع الواقع المُرّ، هو أساس المشكلة. إذ بسبب هذا الفقر العلمي والضعف الثقافي، لا يجد الشباب من طريقة للتعامل مع ضغط الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، إلا على طريقة أفلام العنف التي تمطرنا بها قنوات فضائية صباح مساء!
إن معالجة مشكلة التطرف والغلو تكون بتجفيف منابعه؛ عبر محاصرة الجهل الشرعي والثقافة الدينية المزورة، بضخ العلم الشرعي السليم والثقافة الإسلامية الصحيحة عبر قنوات التعليم والإعلام والمساجد والفضاء العام. نعم، هذا هو الحل الأمثل.
ومن لا يدرك أن البشرية جمعاء تعود للدين -أيا كان- بعد عقود من المادية والعلمنة والإلحاد، فإنه غافل أو متعام عن الحقائق؛ فالصحوة الدينية تعمّ العالم بسبب الشقاء واليأس اللذين يعيشهما الناس، والناجمين عن الفراغ الروحي وانعدام طمأنينة الإيمان. فلماذا يُقبِل آلاف الغربيين على الديانات الشرقية؟ ولماذا يسلِم عشرات الآلاف سنويا في الغرب عقب كل حملة كراهية وتشويه للإسلام هناك؟ لماذا تتزايد المظاهر الدينية لكل الأديان في العالم؟ الجواب: لأن هناك رجوعا للدين في عصر العولمة والمادية المفرطة.
لذلك، فإن كل برامج واستراتيجيات مكافحة التطرف التي تهمل تعميق الثقافة الإسلامية الصحيحة والسليمة بمعايير الإسلام ذاته وليس بمعايير مراكز الأبحاث الغربية، هي برامج فاشلة ستنتج المزيد من الغلو والتطرف.
إن غالب تمدد التطرف في بلادنا يعتمد على العلاقات الشخصية مع متطرفين وغلاة. ولذلك، من الملاحظ أن التطرف والغلو يتشكلان في علاقات قرابة أو صداقة أو جيرة، ومن هنا تأتي خطورة الفراغ الثقافي الإسلامي الصحيح في محيط من يتورط في مسار التطرف؛ إذ يصبح هذا الشخص مؤثرا ويستقطب محيطه، كحال كثير من العصابات الإجرامية التي تعتمد على الثقة الشخصية والصلة الوثيقة. فهل سار شباب في نهج الغلو والتطرف إلا لأنه يجهل الإسلام الصحيح؟ وهل تاب من تاب من الغلو والتطرف إلا عندما تعلم أن الغلو ليس من الإسلام؟
مشكلة الشباب المسلم اليوم أنه يخرج للدنيا بعد 12 سنة مدرسية ولا يحسن غالباً قراءة القرآن الكريم، ولا يعرف كيف يتعرف على موقف القرآن الكريم من أي قضية، سواء بواسطة الفهارس أو التفاسير الموضوعية. فمثلاً، في قضية الكفر والتعامل مع الكفار، فإنه عندما يطرح الغلاة والمتطرفون على الشاب المسكين بعض الآيات القرآنية التي تتعلق بحالة الحرب والقتال باعتبار أنها منهج ثابت للتعامل مع الكفار، فإن هذا الشاب المسكين يصدّق ذلك ويتقبله، ويصبح بذلك متطرفاً، وقد ينقلب إرهابيا، لأنه لا يعرف خطأ ذلك، ولا يملك أدوات للبحث والتفكير السليم في القضايا الشرعية!
ويؤكد الدارسون لجماعات العنف أن الجهل الشرعي والفهم المنحرف للإسلام من قبل شباب غير مؤهل بالعلم الشرعي، سبب رئيس في تكون جماعات العنف والتطرف. ويلاحظ د. هاني نسيرة في رسالته للدكتوراه، والمعنونة "متاهة الحاكمية: أخطاء الجهاديين في فهم ابن تيمية"، أن الجهاديين بسبب فهم كلام ابن تيمية على غير وجهه الصحيح سلكوا مسار العنف، ولما فهموا كلام ابن تيمية على وجهه الصحيح تحولوا للاعتدال ونبذ العنف وتبنوا المراجعات. وأيضا تنظيم "داعش" لم تستطع أن يبرر جريمته النكراء بحق الطيار معاذ الكساسبة إلا بنص مبتور ومحرف لابن تيمية، تقبله أنصار التنظيم بسبب الجهل، بينما قام العلماء من كل التيارات ببيان تحريف "داعش" لكلام ابن تيمية.
عبر تاريخ الإسلام، لم ينجح علاج مع الغلاة إلا بنشر العلم. ولنا في مناظرات ومحاورات الصحابة الكرام رضوان الله عليهم مع الخوارج عبرة وعظة؛ كمحاورات الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وحبر القرآن عبدالله بن عباس، ومن بعدهما محاورة الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبدالعزيز، فقد استنقذت آلاف الخوارج من التطرف والإرهاب.
فمزيداً من دعم العلم الشرعي الصحيح وبثه بين الناس، خاصة في هذا الزمن الذي تصدّر فيه الكثير من البرامج الدينية في عدد من الفضائيات الرسمية العديد من الأدعياء والمأجورين من مُعادي الإسلام الذين لا علاقة لهم بالعلم الشرعي، بل كثير منهم ينتمي لفرق وطوائف ومذاهب تعادي الإسلام، مما يشكل حجة قوية بيد المتطرفين لنشر باطلهم بحجة محاربة العلمانية وتسييس الدين لخدمة السلاطين!
ومن العلم والثقافة المطلوب نشرهما، التاريخ الأسود لمسار العنف والتطرف في بلاد الإسلام، قديماً وحديثاً، وبيان أنه منهج ثبت فشله، كما ثبت ضرره على المسلمين في كل وقت ومكان، وأنه يعطل المجاهدين الحقيقيين ويزيد معاناة المستضعفين ويقوي أعداء الأمة.
ومن الأهمية البالغة ترسيخ الوعي في المجتمع بأن الإرهاب والعدوان المتعمد على أمتنا من قبل اليهود في فلسطين والمليشيات والأنظمة الطائفية في إيران وسورية والعراق وغيرها، يقصد به "تدعيش" جمهور الأمة رغماً عنه، لتفقد حقها بالكلية وتدمر حاضرها ومستقبلها وتبرر مزيدا من العدوان عليها، وأن هذا فخ منصوب لنا لا بد من الحذر منه؛ بالوعي به، والصبر على البلاء والتحكم بردة الفعل، والمقاومة للعدوان والإرهاب بأساليب ناجعة ومفيدة من خلال التكاتف والاجتماع وتفتيت الخصوم وسلب المبررات للعدوان والمزيد منه، وفضح حقيقة الإرهاب الذي تقع الأمة ضحية له.
خطوة نشر العلم الشرعي الصحيح والوعي السليم، تعمل على تجفيف بيئة ومستنقع الجهل الذي ينمو فيه التطرف والغلو، ويحاصر تمدد المشكلة واستفحالها. وهنا يأتي دور خطوة الحزم بالتعامل مع الغلاة والمتطرفين؛ هذا الحزم المقرون بالعدل حتى لا ننتج متطرفين جددا ينتصرون لإخوة أو أبناء أو أصدقاء تورطوا بالتطرف والعنف، فالظلم لا يَنتج عنه استقرار أبداً.
ومن الحزم كفّ يد العبث بهؤلاء الشباب الجهلة والمتلاعَب بهم غالباً، سواء كان هذا التلاعب من جهات داخلية أو خارجية. فليس من المعقول أن يُطارد بعض الأغرار من الشباب أو الشرفاء والمخلصين من الدعاة، فيما يُترك المنظرون يسرحون ويمرحون على صفحات "فيسبوك" و"تويتر" يكفّرون ويحرّضون -سواء كانوا في بلادنا أو في المهاجر "الديمقراطية الكافرة!" التي تنفِق عليهم من الضمان الاجتماعي- على رافضي العنف والتطرف من العلماء والفصائل المقاومة.
هذه هي وصفة معالجة التطرف والغلو السليمة عند شبابنا. أما سوى ذلك من برامج تعتمد نشر طبعات غربية من "إسلامات" ليبرالية أو صوفية مهجنة، أو تقليل مساحة الدين وتكثير مساحة العلمانية في مجتمعاتنا، أو توجيه الشباب لمزيد من الجهل بالإسلام عبر دعم أنشطة الرقص واللهو... فهي برامج تَحكم على نفسها بالفشل.
فهل يا ترى ننهج الطريق السويّة لننتشل شباب أمتنا من فم التطرف والغلو، أم نصرّ على سلوك طريق الفشل والخراب؟

التعليق