علاء الدين أبو زينة

النوم: وصفة الفوز..!؟

تم نشره في الأحد 19 حزيران / يونيو 2016. 12:07 صباحاً

كأننا محاطون ببحر من الذين يجسدون بإخلاص –عن وعي أو من دونه غالباً- تلك العبارة الآمرة في قصيدة معروف الرصافي "ناموا ولا تستيقظوا... ما فاز إلا النُوَّمُ". والتجلي الأعلى لهذه الممارسة هو مغادرة عالم الناس إلى التهويم في عوالم الغيبيات والخوارق، انتهاءً إلى اختلاق جنة والإسراع إليها بما لا يقل عن الانتحار والموت. والظاهرة ذات شجون.
الاستغراق في عوالم "التواصل الاجتماعي" إلى هذا الحد المفزع، يعني في التحصيل الأخير ميلاً إلى التخلص من الصلات في العالم الحقيقي ولمس ما يحدث فيه، واستبدال ذلك بعلاقات "افتراضية" ذات صلة قليلة بشمس النهار البيضاء، وقرابة حميمة بالرمادي غير الواضح. ولم يعد خفياً أن "التواصل" في ذلك العالم هو في الحقيقة ضد التواصل على طول الخط –سواء مع الناس أو مع التفاصيل والتطورات الحقيقية في العالم، حتى أصبح السؤال: أين الحقيقة؟! وما يُعرض هناك، أغلبه يضع وعي الفرد في منطقة هواجس مرتبكة لا تمت إلى الصحو كثيراً في نهاية المطاف.
أكثر الأشياء تداولاً على مواقع التواصل وتطبيقات التراسل –إذا لم أكن مخطئاً- لا يمكن أن تندرج إلا في خانة الغياب عما ينفع الناس في معاش يومهم وتطوير حياتهم، لصالح دعوتهم إلى النوم ومساعدتهم عليه. إنه بالضبط مثل "خراريف العجائز" التي ترويها الجدات والأمهات لنا قبل النوم لنغرق في النوم، وتتجمع فيها الغيلان والخوارق والمعجزات حتى تنقل خيالك من الصحو على أحداث اليوم، إلى برزخ أسطوري يخدر عقلك ويفصلك عن الصحو وتفاصليه نحو النوم وما فيه.
بماذا يقصفنا معارفنا ليلاً ونهاراً على تطبيق "واتس أب" مثلاً؟ الوعظ أول وأكثر من أي شيء. وليست الإرساليات نصيحة عملية من عنديات المرسل، وإنما إعادة إرسال غالباً لشريط فيديو يحكي فيه داعية متشدد يعرض الخزعبلات في ثوب الحقيقة. وهناك أيضاً، قصص طويلة جداً عن تجارب شخصية (ذات طابع علوي غالباً) تتخللها المعجزات أو التصويرات لعوالم وأحداث خارقات، (مثل طرد الجن من ممسوس) والتي لا تعني أي شيء ذي نفع عملي في كسب الخبز. وفي بعض الأحيان، يرسلون لك مقولة روحانية مخطوطة بخط جميل ومحاطة بزخرفة أو ورد.
ومن أين يجيئون بغير ذلك من أرواح تنطوي على الخواء عندما يتعلق الأمر بما ينشغل به الناسُ الآخرون؟ وعندما يكون الجو العام والخطاب العام يدفعان إلى التوقف عن العمل الدنيوي والانهماك في تحليل الألغاز التي تتصل كلها باللاطبيعي المحيط بنا من كل الجهات؟
سوف نرى من أكثر الإرساليات انتشاراً على مواقع التواصل شيئاً من قَبيل: "فتحوا قبر (فلان)، فماذا وجدوا فيه"؟ خَمِن يا صاحب السعادة! إما حيّة سوداء فرعاء مخيفة، أو ضوع عطر غير أرضي. وثمة طبعاً تلك الإرساليات الأكثر قرباً من عالَم الأحياء. مثلاً، إرسالية تفيض بالتحريض الطائفي، أو التبجح الفئوي، أو التمييز العنصري. وفوق ذلك كله، أكثر الإرساليات انتشاراً وأكثرها جمهوراً في العالم كله: أشرطة الدواعش الذين لا شيء يربطهم بالعالم الواقعي سوى إخراج كل الناس من العالم الواقعي، نفسياً وفيزيائياً على حد سواء.
لم يسبق في تاريخنا الحديث أن ذهب العقل إلى هذا الحجم من النوم وخراريف ما قبل النوم! بل سيلومك أقاربك ومعارفك على عدم "التفاعل" بنشاط في "الخراريف"، والإدلاء بما لا بد أن يكون لديك من خزعبلات الدعاة، وقصص المعجزات، ولا بأس ببعض النكات. وبغير ذلك ستكون "متعالياً". سوف يفاجئك متداولو ذلك: أحياناً حملة شهادات عليا، وغالباً عاديون فقراء، لكنهم منشغلون عن الاشتغال بما يخرجهم من فقرهم، ومستغرقون فيما يصيبهم وهذه الأمة بالدُّوار الدائم والمشي نياماً!
الفقر يطرد الناس حتماً من العالم غير المغري إلى النوم المريح للرأس، والنوم لا يطرد الفقر. أصحاب القرار عاجزون عن إشراك الناس في عمل مشجع وله أفق بحيث يفركون النوم عن عيونهم ويشتغلون. والأوصياء على صناعة العقل من نوع أصحاب "ماذا يوجد في القبر يا ترى؟!" ونتوقع منهم بعد ذلك أن يوقظوا العقل من السبات؟!
لا عجب أن يسكر كل هذا الطوفان من "الخراريف" عقلنا ويغويه إلى النوم، والاستقالة –أو الطرد- من العمل في عالم الناس! والحياة لن تعطي شيئاً للنائمين.

التعليق