خطاب ترامب المليء بالكراهية هو مهزلة مأسوية

تم نشره في الأربعاء 22 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً
  • مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب للانتخابات الرئاسية الأميركية -(أرشيفية)

فريد كابلان — (سليت) 13/6/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

ربما كان خطاب دونالد ترامب عن الإرهاب بعد عملية أورلاندو هو الخطاب الأكثر تأثيراً من بين كل خطاباته التي ألقاها حتى الآن. ولا يعني هذا أنه قال الكثير على ضوء ضعف خطاباته السابقة، لكن الناس الذين يصدقون أطروحاته –وهم يضمون شرائح من الناس أوسع من أتباعه المقربين- ربما يجدون انتقاداته واستنتاجاته واقتراحاته في الخطاب الأخير مقنعة تماما.
لكن الشيء الرئيسي هو أن أطروحاته كانت كلها خاطئة تقريباً.
كانت أطروحته الرئيسية التي طالما رددها المرة تلو الأخرى هي قوله أن الرئيس أوباما، وبالتالي هيلاري كلينتون، سمحا "لآلاف الآلاف من الناس بالتدفق إلى داخل بلدنا حيث العديد منهم ينطوون على نفس عملية التفكير التي لدى القاتل الهمجي" في أورلاندو. وتتضمن هذه الأعداد الوفيرة من الناس "تدفقاً ضخماً من اللاجئين السوريين". وانتقل إلى قول أنه إذا تم انتخاب كلينتون رئيساً، فإن فلديها خطة لإدخال "مئات الآلاف من اللاجئين من الشرق الأوسط من دون نظام لتدقيق ملفاتهم".
دعونا نتوقف هنا. فمن أصل الأربعة ملايين لاجئ سوري، خصصت وكالة الأمم المتحدة نحو 18.000 شخص منهم "للتوطين الممكن في الولايات المتحدة". ومنهم أخذت الحكومة الأميركية حوالي 2.000 فقط –والذين أخذوا بعد عملية تدقيق من 20 خطوة، والتي استغرقت عامين أو أكثر لكل لاجئ. وكان الرئيس أوباما قد وضع هدفاً يتمثل في قبول 10.000 لاجئ، لكنه فشل في تنفيذ ذلك حتى الآن. ليس هناك "آلاف الآلاف" ولا "تدفقاً ضخماً". لا شيء في خطط أوباما أو كلينتون لقبول "مئات الآلاف" من اللاجئين.
وفقاً لبيانات جمعتها مؤسسة أميركا الجديدة، فإن 80 في المائة من الأشخاص المتهمين قانونياً بالإرهاب الجهادي في داخل الولايات المتحدة هم مواطنون أميركيون، أو مقيمون دائمون بشكل قانوني -وثلاثة أخماس هؤلاء، كانوا مثل مسلح أورلاندو، قد ولدوا في الولايات المتحدة.
وقال ترامب إنه على الرغم من أن مسلح أورلاندو كان قد ولد هنا، فإن والديه كانا مهاجرين أفغانيين، وكان والده قد أعلن عن دعمه لطالبان. وقال ترامب: "الفكرة الاساسية هي أن السبب الوحيد في وجود كان في أميركا بداية هو أننا سمحنا لعائلته بالمجيء إلى هنا".
وهذا القول مضلل بعض الشيء. أولا لأن كل قاتل في أميركا كان قد سمح لوالديه وأجداده وأجداد أجداده بالمجيء إلى هنا. وقد جاء والدا قاتل أورلاندو إلى الولايات المتحدة في العام 1985، عندما كان رونالد ريغان رئيساً، كلاجئين من نظام أفغانستان الذي كان مدعوماً من السوفيات. فهل يقترح ترامب أن الحكومة الأميركية -التي كانت دعمت المعارضة الإسلامية ضد النظام الشيوعي في ذلك الوقت- ما كان يجب أن تكون قد سمحت لهم بالقدوم؟ على الرغم من أن القاتل قال أنه استلهم "داعش" في إطلاقه النار على النادي الليلي في أورلاندو، فليس ثمة دليل على أنه كان على اتصال مع "داعش" أو مجموعة جهادية أخرى. (الوالد قائد غريب معين ذاتيا لتنظيم ثوري منافس يتطلع للعودة الى أفغانستان وحكمها. وكان قد قال أنه يعارض "داعش").
كما فعل ترامب وجمهوريون آخرون في عدة مناسبات، فإنه هاجم أوباما وكلينتون لرفضهما تعريف الإرهابيين بانهم أتباع "إسلام راديكالي". وهذا "التردد المستمر حتى في تسمية العدو باسمه، يبث الضعف في العالم كله".
وكانت كلينتون قد لامست هذه النقطة في ملاحظات أدلت بها سابقاً. وقالت: "بالنسبة لي، تعني الجهادية الراديكالية والإسلاموية الراديكالية نفس الشيء. وأنا سعيدة بالتحدث عن الأمرين، لكن هذه ليست هي الفكرلة. إنني لن أشيطن وأصف كل المنطقة بالديماغوجية وأعلن الحرب عليها". وأضافت أن ترامب "يخدم داعش". وفي تعقيقه على هذه الملاحظات، قال ترامب في خطابه إنه هو الذي أجبرها على نطق هذه الكلمات. وقد قبلت بعض وكالات الأخبار ادعاءه وقالت أن كلينتون "تلاعبت" بالموضوع. لكنها كانت في الحقيقة قد أبرزت –هي وأوباما- هذه النقطة عدة مرات. كما حذا حذوهما العديد من الجمهوريين والجنرالات الأميركيين السابقين، مثل ديفيد بترايوس، محذرين من أن الخطاب المعادي للإسلام إنما يغذي ادعاءات "داعش" بأن أميركا والغرب هما في حالة حرب مع الإسلام.
وفي مثال آخر على محاولات ترامب إسناد الفضل إلى نفسه في أشياء لم تكن له صلة بها، تفاخر بأن حلف الناتو أعلن عن سياسة جديدة لمكافحة الإرهاب فقط بعد أن انتقد هو نفسه عدم وجود هذه السياسة. وفي الحقيقة، كان حلف الناتو قد أصدر "توجيهات سياسة حول مكافحة الارهاب" في العام 2012.
ثمة ادعاءات أخرى غريبة طرحها في خطابه. فقد ادعى بأن "هيلاري كلينتون تقول أن الحل يكمن في حظر الأسلحة" وهي تريد أن تصادر أسلحة الأميركيين ثم تقبل بإدخال نفس الناس الذين يريدون ذبحنا". وفي الحقيقة، لم تدافع كلينتون أبداً عن حظر الأسلحة، مع أنها كانت قد دعت إلى إعادة تفعيل حظر الأسلحة الهجومية الذي صدر في العام 1994. كما سعت أيضاً إلى "ضبط الأسلحة بشكل معقول"، بما في ذلك فرص متطلبات تسجيل أكثر صرامة –وفكرة إجراءات التسجيل هذه تفضلها غالبية من الأميركيين.
ادعى ترامب بأن أوباما، وبدعم من كلينتون "ألحق الضرر بأمننا من خلال الحد من جمع المعلومات الاستخبارية والفشل في دعم تنفيذ القانون" -دون أن يقرن ذلك بأي دليل رئيسي نظراً لعدم وجود أي دليل. كما أنه أرجع العديد من مشاكلنا، بما فيها صعود "داعش"، إلى "جولة أوباما الاعتذارية" في العالم المسلم في مستهل رئاسته -وهو أمر لم يكن موجوداًعلى الإطلاق. وبالطبع، لم يقل ترامب أي شيء عن ضربات أوباما بواسطة الطائرات من دون طيار والتقدم الأخير الذي أحرزته القوات العراقية والكردية ضد "داعش" في العراق وسورية، أو عن الغارة التي قتلت أسامة بن لادن (والتي دعمتها كلينتون عندما كانت وزيرة للخارجية).
واخيراً، هناك ادعاؤه الهزلي والمجنون بأن هناك المزيد من الرجال المثليين والنساء الذين سيصوتون له وليس لكلينتون لأنه سيمنع دخول المسلمين إلى البلد، بينما سترحب هي بهم. ولا يعرف عن ترامب قوله هذه الكلمات اللطيفة عن الرجال المثليين والنساء في الماضي، لكن ما يفعله حالياً هو استغلال هجوم إرهابي لأغراض سياسية، وبطريقة تتجاوز حتى هزله المعتاد، وهو ما يقول الكثير.
لقد اظهر الخطاب بعد حادثة أورلاندو ترامب في أقصى حالاته غضباً وديماغوجية -عندما ابتسم ابتسامة عريضة وقال "شكراً" بعد كل جولة تصفيق- بطريقة تقدير للذات مثير للشفقة. كما أظهره أيضاً أكثر قدرة على ضبط نفسه (حيث أبقى على استخدام مداخلاته الهازئة غير المكتوبة في حدها الأدنى)، وأظهر أن واضعي خطابه استطاعوا الضغط على كل الأزرار الشعبية. وهذا وقت القلق الكبير: فالحكومة لا تفعل كل شيء يمكن فعله لوقف الخطر، ولكن ليس هناك الكثير مما يمكن فعله –فالقتلة من نوع الذئب الوحيد الذين يستطيعون شراء الأسلحة شبة الأوتوماتيكية بشكل قانوني يكون من الصعب تعقبهم ناهيك عن وقفهم -من دون شن حملة على الحريات إلى مدى لم نشهده أبداً في هذا البلد. ويعتقد ترامب أنه صلب، وهو كذلك بالفعل –وإنما على المواطنين العاديين تماماً كما على المجرمين، وأقل كثيراً مما يعتقد تجاه القادة الجهاديين الذين سيستخدمون خطابه وسياسته كملصقات دعائية ضخمة من أجل التجنيد.

*مؤلف "الأراضي المظلمة : التاريخ السري للحرب السيبرانية".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A Tragic Farce

التعليق