أبوّة...

تم نشره في الجمعة 24 حزيران / يونيو 2016. 12:00 صباحاً

د. سلمان العودة*

صلتي بأبنائي الأيتام (مجهولي الأبوين - مجهولي النسب) قديمة جداً. وأعتز أن بعض النابغين والمتفوقين منهم كانوا كثيري المرور على بيتي والاحتكاك بأسرتي. وكان هذا سبب بركة وفضل من الله علينا.
الشعور الأكبر عندهم هو هاجس مَنْ أنا؟ كيف جئت؟ أين وجدت؟ ليتني أرى أمي... ليتني أعرف أبي! وكنت أداوي هذا الشعور الملحاح بتذكيرهم أن الله رب الجميع، وكافلهم، وحبيبهم، ورازقهم، وسامع نجواهم، وقابل شكواهم.
وقد وجدته دواء جميلاً، لكنه بعيد المنال لكثيرين غارقين في تفصيلات يومهم وماديات حياتهم، بعيدين عن مصادر التوجيه المثالية الدائمة.
في معظم بلاد العالم، توجد مقررات ومناهج خاصة مصنوعة بعناية لتلك الشريحة المتزايدة من أبناء المجتمع وبناته.
حين درجت في القراءة عن آدم، كان أول استثمار هو الحديث إليهم عن والدهم الأكبر وأمهم السيدة الأولى، وما يضر ألا تعرف أباك ما دمت تعرف جدّك.. وما من أحد من البشر إلا ويجهل بعض مراحل نسبه. أيتام العالم في كفالة آدم وأبوّته، وهم سلسلته الممتدة، وأسرته الواسعة، وذريته القائمة إلى قيام الساعة.
وجدت العزو إلى آدم أكثر واقعية، وأقرب تناولاً، وأسهل تداولاً، وهو لا يغني عن ربط العبد بربه الحيّ الذي لا يموت.
من سرد نسبه إلى آدم فقد كذب
لكن كره مالك وجماعة من أهل العلم هذا السرد؛ لأنه من باب الظن والتخرّص. وكان بعض العلماء يقول: كذب النسّابون ولو صدقوا.. لأن ما لا يعلمه إلا الله من السنوات يفصلنا عن آدم، وفيها أزمنة مجهولة مظلمة لا يعرفها الناس ولا يحكيها التاريخ بوضوح. وما قبل نوح تاريخ غامض لا يكاد يعلم الناس عنه إلا القليل.
يختلف الناس في حكاية أصولهم وأنسابهم، وبعضهم يفتخر بنسبه، وبعضهم يمرره بإغماض وبوده ألا يسأله أحد عنه، ولكنهم مجمعون على أنهم من سلالة "الطين" وأبناء "الماء المهين"! "كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ" (المعراج، الآية 39).
آدم وحواء كانا بلا أب ولا أم، وهما أبوا البشرية جمعاء، كان أبوهما الطين والتراب والأرض. لو صنع آدم شجرته التاريخية لكانت: الماء/ التُّرَاب/ الطِّين/ الطِّين اللَّازِب/ الحَمَأ المَسْنُون/ الصَلْصَال.
لم ينظر آدم إلى الوراء ليبحث عن شجرة نسبه، نظر إلى الأمام ليصنع امتداده العظيم بزواجه وإنجابه. وأفلح في بناء أسرته العريقة الواسعة الباسقة. وبمقدورنا نحن أن نصنع الشيء ذاته:
كُن اِبنَ مَن شِئتَ واكتَسِب أَدَباً
                              يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ
إِنَّ الفَتى مَن يُقولُ ها أَنا ذا
                          لَيسَ الفَتى مَن يُقولُ كانَ أَبي!
آدم هو الأب وليس له أب، لم يكن قلقاً أو مكتئباً لأنه بلا أب، ولا حزيناً لأنه الرجل رقم (1) في أسرته. هكذا أنت فكن!
لا تعرف والديك ولم ترهم لسبب ما؛ وفاة، وضع غامض، خلاف عائلي عميق أنت ضحيته، الأسباب متنوعة والمؤدى واحد؛ أنك أعزل لا تنتمي لأسرة معروفة.
أجدادك القدماء معروفون، وهم بلا أبوين، ولذا سلموا من فساد الطباع الذي كثيراً ما ينتقل بالجينات من الآباء إلى الأبناء، وسلموا من سوء التربية وتأثير البيئة البشرية المحيطة.
الآبائية -أحياناً- تشوه الخيال وتجعل الابن على مسار والديه طوعاً أو كرهاً، وتحجم فرص الاختيار الحر الرشيد: "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ" (الزخرف، الآية 22).
آدم يُشكّل لنا مرجعية طبيعية تُمَكّن من الانفكاك عن سلطة الآباء والأجداد والبيئة السابقة المتسلطة. وقصة آدم ليست تشريعاً كلها، كما في شأن السيرة المحمدية، ولكنها مرجعية لفهم الواقع والإنسان والملكات والمواهب والإبداع والفطرة.
كان أبواك في منتهى الجمال جسداً وروحاً!
ابنتي اليتيمة! جدتك حواء كانت بلا أب ولا أم، تخيّلي عندما تعرض لها مشكلة، أو يطرأ سؤال، أو حيض أو نفاس أو هَم أو ألم... لمن كانت تشكو وتبوح؟
تلك الوردة الأولى النابتة في الطين ومن الطين تتفتح للحياة والحب والأمل، وتحمل وتنجب وتنفث عطرها الجميل... كانت تعرف ربها السميع الرحيم القدير، وتعرف زوجها الحنون، وتنشغل بحياتها وذريتها وتدبير معيشتها.
نوح كان أباً ثانياً للبشرية؛ لأن الطوفان عمّ الأرض، فالناس يرجعون إلى: 1- سام؛ 2- حام؛ 3- يافث. ونوح مدفون بالعراق فيما ذكر الألوسي، وقيل في لبنان، والله أعلم.
عيسى بلا أب
وقصة آدم مرجع في تفسير ما أشكل في شأن عيسى: "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ" (آل عمران، الآية 59). أراد الله أن ينفي كون عيسى إلهاً أو ابناً للإله، تعالى الله عما يقولون. وأبو عيسى هو آدم، والجد يسمى أباً كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم: "أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ".
أحاول استحضار ذكريات الطفولة مع يتيم أصبح أباً ورباً لأسرة، أعصر الذاكرة لعلي أجد في سجلاتها أثراً عن أول احتكاك واعٍ محفوظ مع "فهد". أجد صحبة المسجد والتلاوة، وصحبة الآباء الكبار الذين توقف نموهم في خيالنا فلا يبرحون بتلك السن التي كانت تقارب الثلاثين، وصحبة المتجر الصغير في القرية، وصحبة القهوة والشاي والكعك اللذيذ والنار والدخان، وصحبة استبطاء الانتقال للمدينة (بريدة) بعد وعدٍ أكيد وبناءٍ مشيد: "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" (إبراهيم، الآية 41).
هل قعدت في حجره؟ هل ضمّني؟ هل حضنني؟ هل حملني على كتفيه كما أصنع مع أطفالي؟ هل حكى لي حكايات ما قبل النوم؟... كل ذلك قد كان وأكثر منه، ولكن الذاكرة تخون!

*المشرف العام على موقع "الإسلام اليوم"

التعليق