أهمية مصر في زمن المشكلات

تم نشره في السبت 25 حزيران / يونيو 2016. 11:00 مـساءً
  • الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في استقبال وزير الخارجية الأميركي جون كيري - (أرشيفية)

بول سالم - (معهد الشرق الأوسط) 16/6/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

منذ أن قام تنظيم "داعش" بإسقاط طائرة الركاب الروسية في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ما يزال هناك نشاط ملحوظ بين واشنطن والقاهرة. فقد زار وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، القاهرة مرتين، بالإضافة إلى زيارات قامت بها وفود عالية المستوى من الكونغرس والجيش والمخابرات ورجال الأعمال إلى مصر. وعلى الرغم من استمرار القلق الكبير من وضع حقوق الإنسان البائس في البلد، فإن هناك وعياً عميقاً بأن مصر بحاجة إلى مساعدات عاجلة في قتالها ضد "داعش" و"القاعدة"، بالإضافة إلى حاجتها الملحة إلى تعزيز اقتصادها البطيء. وثمة أيضاً وعي متنام بأنه في حين أن لدى واشنطن خلافات جدية ومشروعة حول عدد من القضايا المحلية والإقليمية مع كل حلفائها الشرق أوسطيين تقريباً، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع مواجهة التحديات الإقليمية من تلقاء نفسها، وبأنه يجب عليها التفاوض من أجل التوصل إلى شراكات وتقاسم الأعباء مع حلفائها في المنطقة.
إن مصر في الحقيقة أكبر كثيراً من أن تفشل. وعلى الرغم من أن أمام القاهرة طريق طويل لتقطعه على صعيد الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الضرورية، فإن من المهم من الناحية الاستراتيجية الحيلولة دون تحقيق أي انتصار إرهابي أو انهيار اقتصادي في البلد.
تواجه مصر تحديات هائلة. ولدى الولايات المتحدة مصلحة واهتمام واضحين في مساعدة أكثر الدول العربية سكاناً في التغلب عليها. وبعد ثلاثة أعوام من استمرار الحرب ضد "داعش" في سيناء، لا يبدو أن هناك أي حل حاسم يلوح في الأفق. وقد نجحت القوات المسلحة المصرية في الحيلولة دون أن تتمكن المجموعة الجهادية المتشددة من تحقيق هدفها المتمثل في إقامة كيان مستقل في شمالي سيناء، كما سبق وأن فعل "داعش" في بلدان أخرى، لكن ذلك تحقق من خلال دفع ثمن باهظ جداً من المدنيين. وقد عاد "داعش" إلى استخدام تكتيكات تنظيم القاعدة في حرب العصابات، مما رتب كلفة ضخمة على قوات الجيش وقوات الشرطة المصريين. وفي الأثناء، وفي سياق طموحه إلى منافسة "داعش" على الأسبقية الجهادية، يقوم تنظيم القاعدة بحث الخلايا التابعة له والمتعاطفين معه على المزيد من العمل.
وكانت الولايات المتحدة عرضت المعدات والتدريب لتعزيز فعالية مصر ضد تنظيم "الدولة الإسلامية في سيناء"، بالإضافة إلى تأمين حدودها الطويلة مع ليبيا في الغرب. ويتضمن ذلك تزويدها بطائرات عمودية من طراز (إيه. أتش-64) وطائرات من دون طيار للمراقبة، وأحدث شيء كان إرسالية من 762 من العربات المقاومة للألغام والمحمية من الكمائن. ويجب متابعة هذا التعاون.
يتوقع صندوق النقد الدولي نمواً إجمالياً للناتج المحلي المصري بنسبة 3.3 في المائة في العام الحالي، وهي أقل من نسبته في العام الماضي التي كانت 4.2 في المائة. وذلك أعلى من معدلات النمو المتوقعة في تونس والمغرب ولبنان والأردن والكويت والإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية، لكنه يظل مع ذلك أقل بكثير من حجم النمو اللازم لخفض معدلي البطالة والفقر العاليين. وقد عنت أسعار النفط المنخفضة هبوط عوائد قناة السويس، تماماً مثل هبوط التحويلات المالية من المصريين العاملين في الخليج. وكما حدث في تونس، تسببت الهجمات الإرهابية في خفض السياحة إلى مستويات دنيا. كما انخفضت الصادرات المصرية نتيجة لمزيج من الظروف الصعبة، بما في ذلك بطء النمو العالمي، وانخفاض سعر الجنيه المصري، ونقص النقد الأجنبي. لكن تقرير صندوق النقد الدولي نفسه يتنبأ بحدوث انتعاش في العام المقبل بنمو يصل إلى 4.3 في المائة، عندما تؤتي ثمار الاستثمار الأجنبي المباشر من البلدان الخليجية وغيرها من الموارد ثمارها.
كانت الولايات المتحدة شاركت في مؤتمر التنمية الاقتصادية المصرية الذي عقد في شرم الشيخ في العام الماضي، وتنشط العديد من الشركات الأميركية في الأسواق المصرية. وتقدم الحكومة الأميركية سنوياً مساعدات بقيمة 150 مليون دولار على شكل معونات اقتصادية لمصر. وكان السناتور ليندسي غراهام -محقاً- بالتأكيد بعد أحدث زيارة له لمصر، حين قال إن المخاطر عالية جداً. وهو محق في قوله إن الولايات المتحدة تحتاج إلى التفكير بجدية في كيف يمكنها قيادة جهد دولي لتحويل مساعدات واستهدافاً أكثر استهدافاً إلى مصر، بينما يتم في الوقت نفسه الضغط على حكومتها من أجل المضي قدماً في إجراء الإصلاحات الاقتصادية التي تمس حاجة البلد إليها.
وفي المجال السياسي، وفي حين مضت الانتخابات البرلمانية قدماً في أواخر العام الماضي، فقد سجل القمع والحد من الحريات المدنية والسياسية مستويات قياسية، ولا تؤسس الانتخابات في ظل غياب الحرية طريقاً موثوقاً في عملية التحول الديمقراطي. وتخشى الحكومة من قيام احتجاجات جماهيرية واسعة النطاق مثل تلك التي حدثت في العامين 2011 و2013. ولكن، وعلى الرغم من الحملة القاسية، فإن مئات المظاهرات العمالية نظمت خلال العام الماضي، كما تفجرت احتجاجات جماهيرية في أواخر أيار (مايو) بعد أن أعلنت الحكومة عن نقل ملكية جزيرتي الصنافير وتيران في البحر الأحمر إلى السعودية. ومن دون إحراز تقدم اقتصادي سريع، ومع فضاء سياسي مقيد دائماً، فإن الخطر يكمن في تعرض البلد لنوبة أخرى من القلاقل والاضطرابات الجماهيرية واسعة النطاق في وقت ما من المستقبل غير البعيد.
يظل التطور السياسي في مصر شأنا خاصاً بالشعب المصري. وبعد كل شيء، كانت هناك انتفاضتان ضخمتان أو ثورتان في غضون خمسة أعوام، ومن المؤكد أننا سنسمع عنهما مرة أخرى في الشهور أو الأعوام المقبلة. ومع ذلك، فإن على الولايات المتحدة الاستمرار في الضغط من أجل إطلاق سراح السجناء السياسيين، ومن أجل رفع القوانين الأمنية القمعية، ومن أجل إشراك جميع الفاعلين في العملية السياسية، شريطة التزامهم بالتعددية ونبذ العنف والتقيد بالدستور.
وأخيراً، تبقى مصر لاعباً مهماً في الشؤون الإقليمية. وقد بث الرئيس عبد الفتاح السيسي حياة جديدة في الشهر الماضي في مبادرة السلام العربية، وهو ما جلب ردود فعل إيجابية من القادة الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء. وقد استضافت مصر مؤخراً مباحثات المصالحة التي طال انتظارها بين فتح وحماس، كما أنها استضافت محادثات للمعارضة السورية بينما تحافظ على روابط مع الرئيس السوري بشار الأسد. وستكون القاهرة دائماً لاعباً مهماً في الشأن الليبي. ولأن الدبلوماسية الأميركية تعثرت في كل من هذه الأزمات الصعبة، فإن إشراك المزيد من القيادة الإقليمية أصبح ضرورة.
مرت العلاقات الأميركية مع مصر بحالات مختلفة من الصعود والهبوط. وسوف تستمر بعض الاختلافات، لكن من المهم أن تبني الولايات المتحدة ومصر في المناطق التي تحظى باهتمام مشترك، وإشراك بعضهما بعضا في المناطق التي تستمر فيها الخلافات.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Egypt’s Importance in a Time of Troubles

التعليق