كتاب جديد للزميل العقيلي عن محمد الأمين الشنقيطي

تم نشره في الأحد 10 تموز / يوليو 2016. 11:00 مـساءً
  • غلاف الكتاب - (الغد)

عمّان – الغد - يضيء كتاب جديد صدر قبل أيام للكاتب جعفر العقيلي، جوانب في حياة سماحة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي وسيرته العملية ومنجزاته، مبيناً الأصول والمنابع التي شكّلت وعيه وبلورت ثقافته وجعلته من الشخصيات الاستثنائية التي أثّرت في تاريخ الأمة.
ويؤكد العقيلي الذي يحمل كتابه عنوان "محمد الأمين مايأبى الشنقيطي.. العالِم المربّي والسياسي الناشط والدبلوماسي المصلِح"، أن الشنقيطي (1905-1990) اضطلع بدور وطنيّ كبير في الأردن على مدى عقود، في مجالات عدّة تقلّدَ فيها مناصب رفيعة؛ في الإفتاء والقضاء، والمعارف (التربية والتعليم)، والسلك الدبلوماسي، إلى جانب جهوده في إعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة، وترؤسه الهيئة العلمية الإسلامية، وإسهامه في مشروع وحدة الضفتين، إذ كان الشيخ في كل محطة في مسيرته، أو مهمّة يُختار لها أو منصب يُسنَد إليه، يَطبع بصمةً تنمّ عن رؤية استشرافية تضعُ مصلحة الأمة والصالحَ العام ومنفعة الناس وتطوير الأداء المؤسسي في سلّم الأولويات.
ويوضح العقيلي في كتابه الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" (2016) أن الشيخ طبّق هذه الرؤية المهمومة بالنهوض بالبلاد عملياً وعلى أرض الواقع، من خلال تطوير أنظمة وقوانين كان معمولاً بها، والاجتهاد في استحداث أخرى تواكب احتياجات المجتمع الناهض.
ويستعرض العقيلي في دراسته، ما عُرف عن الشيخ من حبّه للعلم، وثقافته الواسعة وخلُقه الرفيع، ومثابرته في العمل، وإدراكه الخطرَ الذي يتهدّد الدولةَ الشابة التي كانت ما تزال تخطّ طريقَها وتشكّل كيانها المستقل؛ مؤكداً "إنه رجلُ دولة وأحد الاستراتيجيين الكبار.. فقد تصدّى لقوة الغرب المستعمِرة والمتسلّطة، وكانت لديه رؤيةٌ لبناء نوعٍ من نهضة وطنية مرتبطة بالبعد الروحي المتمثل في أحكام الشريعة الإسلامية السمحة، وببناء عقلية الإنسان وتطوير واقعه الاجتماعي، جامعاً بين اللّين ولطف المعشر من جهة، والحزم والشدة من جهة أخرى".
يُقسم الكتاب إلى قسمَين؛ الأول دراسة وافية للجوانب المختلفة في حياة محمد الأمين الشنقيطي؛ وخُصص الثاني لحوارات مع الشيخ، ومقالات له وعنه، وقصائد مهداة إليه، وكتابات عن تاريخ عائلته. إضافة إلى ملحق  للصوَر والوثائق وسيرة ملخصة لحياة الشيخ الشنقيطي، ومراسلاته والأوسمة الممنوحة له.
يبدأ العقيلي بالتعريف بعائلة الشيخ محمّد الأمين؛ إذ ينتمي إلى عشيرة جمعت بين العلم والزعامة في بلاد شنقيط بالمغرب العربي، والتي تُعرف في الوقت الراهن بجمهورية موريتانيا الإسلامية. ويغْلِبُ لقب "الشنقيطي" على معظم المنحدرين من قبائل بلاد شنقيط وعشائرها، ولو كانوا من عشائر مختلفة، أما لقب "الجكني" فقد عُرف به نسبةً إلى اسم قبيلته التي تُعَدُّ من كبرى قبائل البلاد، وقد أسهم هذا المحمول التاريخي، كما يوضح العقيلي، في تكوين وعي الشـيخ محمد الأمين وبلورة شخصيته متأثّراً بوالده الذي كان من قادة البلاد، بخاصة أن محمّد الأمين عاش حياته وتوفّي خارج بلاد شنقيط.
وفي تناوله لأثر مسيرة الأب في حياة الابن، يوضح العقيلي أن الشيخ محمد الأمين أدرك من خلال مرافقته الدائمة لأبيه وسفره معه إلى فلسطين والعراق ودول الخليج والهند وتركيا وسورية ومصر في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته، خطر التآمر الاستعماري على المنطقة، وتصدّى له بما أوتي من قوة، مؤمناً بأهمية وحدة الأمة الإسلامية وتكاتفها في مواجهة الاحتلال.
نشأ الشيخ في أسرة تميّزت بالعلم ومكارم الأخلاق، إذ كان والده الشيخ محمّد الخضر، مثالَ العالم التقيّ الورع، المجاهد، وصاحب الشخصية المؤثّرة التي تنطق بالحكمة، وتتحلّى بقوة البأس والصبر والحنكة السياسية.
وفي مطلع شبابه عمل محمّد الأمين كاتباً في المحكمة الشرعية في عمّان العام 1929، ثم عُين قاضياً في السلط (1938)، ثم في معان (1941)، ثم في إربد (1942)، وظلّ في القضاء حتى 1945 حينما عُين مفتياً لإمارة شرق الأردن، ثم تولّى منصبَي قاضي القضاة ووزير المعارف في أول حكومة تشكّلت في عهد المملكة الأردنية، وأُسند المنصبان أو أحدهما إليه غيرَ مرة في التشكيلات الحكومية اللاحقة حتى مطلع الستينيات.
ويبين العقيلي أن فترة الخمسينيات شهدت تبلور شخصية الشيخ وتطور خبراته، ما أسهم في اضطلاعه بدورٍ محوريّ في عدد من القضايا الساخنة على المستوى الوطني، إذ بُذلت الجهود لمنع قيام وطن قوميّ لليهود على أرض فلسطين، وتصاعدت وتيرة الدعوة إلى التمسُّك بالقومية العربية والدفاع عنها لمواجهة خطر الاحتلال الإسرائيلي الذي يتهدّد الوطنَ العربي برمّته، وشغل الشيخ في تلك الفترة منصب قاضي القضاة ووزير المعارف، وساهم عبر تولّيه رئاسة الهيئة العلمية الإسلامية في تلك الفترة في توضيح سماحة الإسلام ووسطيته، كما ساهم عبر رئاسته اللجنة الخاصة بإعمار المقدسات الإسلامية في الحرم القدسي الشريف تحت الرعاية الهاشمية، في حماية المقدسات الدينية وصيانتها والحفاظ عليها، وإلى جانب ذلك، كان أحد الذين تولّوا رئاسة المؤتمرَ الإسلامي العام.
ويشير العقيلي إلى أن الوثائق الهاشمية في مطلع الأربعينيات تشير إلى دور للشيخ في مهمات وطنية وقومية جليلة، مثل الوحدة مع سورية، كان يؤديه بتكليف أو بتوجيه من الأمير عبدالله (الأول) بن الحسين.
ويؤكد العقيلي ما تميزت به شخصية الشيخ من قيادية وسمات إنسانية، وقد أجمع الذين عرفوه وعملوا معه وعايشوه على مدار سنوات عمله داخل الأردن وخارجه، بأنه رجل ذو علم وخلق، وكان يتمتع بثقافة واسعة واطلاع كبير، إذ تَفتَّحَ وعيه على مكتبة كان أسسها والده خلال فترة إقامته في مكة، وكانت تحوي كتباً من عيون الأدب والفقه والسياسة والتاريخ، وقد أضاف إليها الشيخ نفائس الكتب قبل أن يوصي بها إلى الحرم النبوي الشريف ومكتبة الملك عبدالعزيز.
وفي القضاء كان أول من شغل منصب قاضي القضاة بعد أن انتقل الأردن من عهد الإمارة إلى عهد المملكة، كما كان والده أولَ من شغل هذا المنصب في عهد الإمارة.
ويرى الباحث أن الشيخ يعدّ المؤسِّسَ الحقيقي لدائرة القضاء الشرعي في الأردن، وشارك في وضع القوانين والأنظمة فيها، كما شارك في وضع الدستور الأردني وفي اعتماده بوصفه قاضياً للقضاة، في عهد الملك طلال بن عبدالله. وخلال مسيرته في القضاء، قام بتسيير الدوائر الشرعية والأوقاف والزكاة بشكل حثيث وبحرصٍ على التطوير، كما شهدت المحاكم في عهده تطوراً في أنظمتها الداخلية لتسهيل عملها وتيسير قيامها بمهماتها، إذ أصبحت وحدةً واحدة متّصلة الأجزاء ومترابطة الأوصال، وفي تلك الفترة، سُنَّ قانون خاص لرسوم المحاكم الشرعية، وقانون لحقوق العائلة وُضع موضع الدرس والاجتهاد في الرأي، لإعادة العمل به في المحاكم الشرعية اعتماداً على ما يراه الأئمة في ذلك العصر.
أما في الجانب التربوي، فيؤكد الكتاب بما يتضمنه من وثائق ومراسلات وخطابات أن الشنقيطي كان يدْرك أنّ التربية بمفهومها الشامل تشكّل أهمّ ركائز المجتمع، ومن خلالها تشكّل المجتمعات خصوصيتها وتبني حضارتها، وقد آمن بأن المنظومة التربويّة تقوم على عدد من العناصر تتبادل التأثير في ما بينها، لذا أَولى العناية الفائقة لهذه العناصر، وعلى رأسها اختيار المعلمين الأكْفاء، والنظر بعناية إلى أحوال الطالب، واستحداث قوانين وتشريعات تضبط سير العملية التربوية.
وقد اختير الشنقيطي عضواً في مجلس الأعيان الثالث، في خريف العام 1951، ومجلس الأعيان الرابع، وبقي فيه إلى أن صدرت الإرادة الملكية السامية بقبول استقالته منه في العام 1955.
وعلى صعيد العمل الدبلوماسي، كان الشنقيطي، كما يؤكد الكتاب، من كبار الدبلوماسيين العرب، وظلّ مثالاً في الحرص والنشاط والمثابرة، ليسطر بذلك صفحاتٍ مَجيدة في كتاب العظماء الذين خدموا بلدهم بلا تقاعس أو كلل. ولقد أرادت الحكومة من خلال تعيينه سفيراً، أن تستفيد من حنكته وخبرته في عهد المملكة التي بدأت تشهد إصلاحاً وعمراناً واستقراراً وعلاقات أخويّة مع الدول جميعها، وبخاصة الجارة الكبرى: المملكة العربية السعودية.
وعلى الرغم من كثرة مشاغل الشيخ ومسؤولياته خلال تولّيه السفارة، إلا أنه ظلّ حريصاً على التواصل مع علماء الأمة والاستفسار عن مسائل عقيدية وفقهية وفلسفية، رغبةً في الاستزادة والمعرفة، وللتيسير على الناس في شؤون دنياهم وإزالة اللّبس في قضايا تشغلهم، وكان له حضور كبير في صدر مجالس العلم والفكر.
ظلّ الشيخ الشنقيطي في منصبه سفيراً حتى العام 1977، ثم قرر التقاعد والاستقرار في السعودية التي احتضنت والده من قبل، وفيها نشأ ودرجَ أولى خطواته في سلّم الحياة، لذلك شعر بالارتياح لعودته إلى مسقط رأسه، قريباً من الحرم النبوي الشريف، ما مكّنه من الانقطاع للعبادة والاستزادة من العلوم الدينية.
واستقرّ الشيخ في المدينة المنورة بعد تقاعده، وأقام فيها حتى توفّاه الله يوم 13/1/1990 بعد أن أوصى بثلث ماله للفقراء، وقد مثّل رحيلُه خسارةً كبرى لوطنه وأمّته، ونعاه كبار الشخصيات السياسية والدبلوماسية والدينية.
تأتي أهمية هذا الكتاب من كونه يتفرد بدراسة شاملة لمختلف جوانب حياة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، جامعاً لمسيرته وعمله، في سيرة تترجم مآثر الرجل وما قدمه خلال علمه من خدمة للوطن والأمة، وبما يعد إضافة إلى المكتبة العربية فيما تتضمنه من ِسير الأعلام وتراجم رموز الأمة.

التعليق