تعبر جمعية الثقافة العربية الإسلامية عن أداء مجتمعي مؤسسي، يصلح مثالا لما يمكن أن يؤديه المجتمع في العلاقة مع الدين. فالجمعية تسعى ببساطة إلى تعليم العقيدة والفقه والأخلاق الإسلامية امتدادا للمذهب الشافعي الذي تلقته الأمة بالقبول، ويتّبعه على نحو متواصل ومتراكم أهل بلاد الشام منذ مئات السنين. وتشكلت على الدوام حول هذا الاتباع مؤسسات مجتمعية وأهلية، ومشيخات ومرجعيات في المساجد والحلقات التعليمية، وكتب ومراجع معروفة ومتقبلة.
وفي ذلك، فإن الجمعية تفعّل قواعد راسخة ومستقرة في الحضارة العربية الإسلامية، وهي ببساطة أن المجتمع هو صاحب الولاية على فهم الدين وتطبيقه، وليس الدولة. فهذا التراث العلمي الكبير والرائع في الثقافة الإسلامية؛ في اللغة والتفسير والعقيدة والفقه والفلسفة، أنشأته حركة مجتمعية مستقلة عن الدولة. والمذاهب الفقهية المعتمدة والمتبعة نشأت في الحلقات والمساجد، أي في وسط المجتمع بعيدا عن السلطة. وكان انتشار المذاهب وقبولها عملية مجتمعية؛ فهؤلاء القادة المتبعون في الفقه، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، يحظون بهذا الاتباع والقبول لسبب بسيط وواضح، وهو أن الناس يتبعونهم ويثقون بهم، وليس هناك سبب آخر. فالعالم هو من يراه الناس عالما، والقائد هو من يمنحه الناس القيادة. وقد نشأت على هذه القاعدة مؤسسات علمية عريقة، يمكن وصفها بأنها جامعات ومدارس لا تقل أهمية في تقاليدها وعراقتها عن جامعات أكسفورد وكيمبريدج وهارفارد وكولومبيا. فهذه الجامعات، كما هو معروف، نشأت ضمن حراك علمي مجتمعي مستقل وما تزال كذلك. وهناك تطور مؤسسي يمكن الاستشهاد به ومقارنته بالأمثلة الغربية، مثل الأزهر والزيتونة والنجف وكربلاء وقم. ومن اللافت والمهم ذكره هنا، أن حوزة جبل عامل في لبنان، والتي كانت لفترة طويلة من الزمن أكثر أهمية من جميع الحوزات الأخرى، كانت تدرس المذهب الشافعي وترسل تلاميذها وأساتذتها إلى الأزهر لاستكمال المعرفة والعلم!
جمعية الثقافة العربية الإسلامية، بتقاليدها في العلم وما تقوم عليه من مدارس وحلقات علمية، تساعد أو تحاول تعزيز هذا العمل المجتمعي العريق والجميل، وتساهم في استقلال المجتمعات وتعزيز قدراتها. ويجب أن تسعى الدولة والمجتمع معا إلى الوصول إلى مرحلة تكون فيها المجتمعات قيّمة على العمل الديني كله؛ بناء المساجد وإدارتها وتنظيمها من إمامة وتعليم، ويكون دور وزارة الأوقاف تنظيميا تنسيقيا رقابيا، مثل علاقة هيئتي تنظيم النقل والاتصالات بقطاعي النقل والاتصالات في السوق والمجتمع.
وأقترح على الجمعية أن تطور أداء فرق النشيد لديها وفق التقدم العلمي والتقني في مجال الفنون؛ فلا يمكن أن تساهم في الارتقاء والمشاركة الفنية إلا بذلك، وأن تمتد برامجها الثقافية إلى المسرح والفنون التشكيلية والآداب والخطابة. وأتمنى ألا تقحم نفسها في السياسة أبدا، فقد كان لجماعة الإخوان المسلمين (قبل السياسة) مشاركات مجتمعية ومسرحية وإبداعية جميلة، ثم ضيعت الثقافة والفنون.. وضيعت السياسة أيضا!

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo