بسام ناصر
بعد شيوع ظاهرة العلاج بالرقى الشرعية لحالات المس الجني والسحر والتلبس والحسد والعين، وتكاثر عدد المعالجين بشكل لافت للنظر، واتخاذها مهنة وحرفة لمن لا مهنة له! تشيع هذه الأيام ظاهرة أخرى ألا وهي امتهان التداوي بالحجامة، فترى من يقتحم هذا الميدان ويشتغل بممارسة الحجامة، وهو ليس مؤهلاً لذلك سواء كان تأهيلاً نظرياً أو عملياً، فهل يصح أن يقدم على ذلك من لا يعرف شيئاً عن فسيولوجية الجسم البشري؟.
أحد المواطنين كان يشتكي آلاماً في ظهره، نصحه بعض أصدقائه بالإحتجام، ذهب إلى أحد أولئك، فحجمه في أسفل ظهره، يقول صاحبنا لقد كان من آثار تلك الحجامة أن عجزت عن إتيان زوجتي لمدة شهر ولا أدري ما الذي أصابني بعد تلك الحجامة!. يتساءل محتجاً: فهلاّ كف أولئك الدخلاء عن تلك الممارسات وتوقفوا عن القيام بما لا يحسنون فعله، لأنهم بكل صراحة يفتقرون إلى أبسط ألوان المعرفة النظرية والخبرة العملية.
رأي الناس والعلم
في المقابل استمعت إلى (أبو شهد) وهو يحكي لي قصة نجاح الحجامة في معالجة حالته، فبعد ست سنوات من الزواج لم يُكتب له ولزوجته الإنجاب خلالها، وقد قاما في غضون ذلك بمراجعة الأطباء وإجراء الفحوصات اللازمة حيث تبين أنه يعاني من ضعف شديد في الحيوانات المنوية، أشار عليه بعض معارفه بالحجامة، يقول: فذهبت إلى أحد الحجامين، فحجمني في أسفل ظهري، وبعد ما يقارب الشهر، ذهبت زوجتي لتجري فحصاً فتبين أنها حامل، وقد رُزقنا بمولودة أسميناها (شهداً)، وهي تبلغ الآن من العمر ستة أشهر. تقول (أم شهد) والسرور يملأ وجهها: لقد سألني الطبيب بعد تأكده من حملي، كيف تم ذلك، فقلت له: إن زوجي احتجم قبل شهر تقريباً وبعدها كان الحمل.
تذكر بعض المراجع العلمية بأن الحجامة ممارسة طبية قديمة، عرفتها العديد من المجتمعات البشرية، من مصر القديمة غربا التي عرفتها منذ عام 2200 ق.م مرورا بالآشوريين عام 3300 ق.م، إلى الصين شرقا، فالحجامة مع الإبر الصينية أهم ركائز الطب الصيني التقليدي حتى الآن، وقد عرف العرب القدماء الحجامة - ربما تأثرا بالمجتمعات المحيطة، وقد أقرها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وامتدحها وأشاد بها، ومما ورد عنه في ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:"الشِّفَاءُ فِي ثَلاثَةٍ شَرْبَةِ عَسَلٍ وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ وَكَيَّةِ نَارٍ وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ"، وعن سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً في رأسه إلا قال احتجم، ولا وجعاً في رجليه إلا قال اخضبهما". وأخرج أحمد و والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مررت بملأ من الملائكة ليلة أسري بي، إلا قالوا عليك بالحجامة وفي لفظ مر أمتك بالحجامة".
ما هي الحجامة؟
يجيبنا على هذا سؤال عن ماهية الحجامة الخبير محمد سعيد المصري، الذي تعلم الحجامة على أيدي خبراء صينيين، وذلك أثناء إقامته لمدة أربع سنوات في مدينة شنغهاي معبد الشاولين، حيث كان يتلقى دروساً متخصصة في فنون القتال ومهارات العلاج الطبيعي، يقول المصري : "الحجامة هي سحب الدم الفاسد وشفطه من الجسم لأنه قد يكون هو المتسبب في مرض معين، أو قد يتسبب بمرض في المستقبل بسبب تراكمه وامتلائه بالأخلاط المؤذية والضارة. ومن فوائد الحجامة أنها تنقي الدم من تلك الأخلاط والتي هي عبارة عن كريات دم هرمة وضعيفة لا تستطيع القيام بعملها حيث لا تتمكن من العمل بشكل طبيعي لتمد الجسم بالغذاء الكافي ومقاومة الأمراض، فتأتي الحجامة لتخلص الجسم من تلك الأخلاط الضارة والمؤذية من كريات الدم الحمراء والبيضاء لتحل محلها كريات جديدة.
أما بخصوص الأدوات المستخدمة في عملية الحجامة، فتتكون من جهاز شفط، وكاسات خاصة، وأدوات وخز، ومواد تطهير وتعقيم وهي ضرورية جداً، وعن المواضع والمواقع الرئيسة في الجسم التي تجرى بها الحجامة، يقول المصري: "هناك عدة مواضع رئيسية منها: موضع في أعلى الرأس وهو ما يُسمى "بالمغيثة"، والأخدعان - وهما عرقان في جانبي العنق- والكاهلان، وموضع في الظهر خلف الكليتين، وموضع خلف الفخذين، وموضع آخر في البطتين، ويوجد مواضع أخرى بحسب الحاجة وطبيعة الآلام التي يشتكي منها من يطلب الحجامة.
الأمراض التي تعالجها الحجامة
هل الحجامة دواء يصلح لكل داء؟ يجيب المصري قائلاً: من المبالغة القول بأن الحجامة تعالج كل الأمراض، فمن واقع التجربة والممارسة العملية وجدنا أن الحجامة تنفع في بعض الأمراض، وثمة حالات شفيت بالحجامة بإذن الله، وحالات أخرى تحسنت تحسناً ملحوظاً، وبعض الحالات لم تشف ولم تتحسن، لأن الشفاء بيد الله وحده وهو سبحانه الذي ييسر ذلك ويسهل أسباب وقوعه. يذكر من الأمراض التي تنفع الحجامة في علاجها أو التخفيف من حدتها، الصداع الكامل، والصداع النصفي، غبش العيون وضعف الذاكرة، وآلام الظهر وآلام الروماتيزم وآلام الرقبة والكتفين وعرق النسا، كما أن من الحجامة ما يكون وقائياً، وهي تعمل مع عدم وجود أمراض وآلالام، بل تقي بإذن الله من الجلطات والشلل، ويُنصح بعملها مرة كل سنة.
ومن الأمراض التي يرى خبير الحجامة محمد سعيد أن الحجامة نافعة لها جداً، حالات ارتفاع ضغط الدم، ويُنصح بها كل شهر لتخفيف تلك الحالات، كذلك فان الحجامة تفيد في تنشيط عضلة القلب وتساعد على جريان الدم بشكل طبيعي في الشرايين من وإلى القلب. كما أنه يشير من خلال خبرته العملية إلى فائدة الحجامة في معالجة بعض حالات أمراض السكري، وتثبيت نسبة السكري عند درجة معينة.
مخاطر الحجامة
سألنا الخبير محمد سعيد المصري عن الممارسات الخاطئة التي تقع من بعض من يقتحم هذا الميدان وهو غير مؤهل لذلك، وقد أصبحت هذه الظاهرة واضحة وشائعة، فقال: نعم يوجد من يمارس الحجامة وهو غير مؤهل فأعرف من أولئك من يهجم على ممارسة الحجامة دون دراسة نظرية، ودون التتلمذ على أيدي خبراء ومتمرسين في هذا المجال، وهذا خطأ كبير، فممارسة الحجامة تتطلب معرفة دقيقة بفسيولوجية الجسم، وتتطلب معرفة المواضع الصحيحة والمتناسبة مع الأمراض والآلام التي يشتكي منها من يطلب الحجامة ويحتاج إليها.
ويشير إلى أن سوء اختيار المواضع لإجراء الحجامة قد يأتي بنتائج عكسية ضارة، ويذكر في هذا السياق حديثاً مروي في كتب السنة، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم ثلاثاً في الأخدعين والكاهل، فيقول مُعَمَّر: احتجمت فذهب عقلي حتى كنت أُلقن فاتحة الكتاب في صلاتي وكان قد احتجم على هامته، فلا شك أن ذلك يكون بسبب عدم تشخيص المرض بدقة وتحديد الموضع المناسب لإجراء الحجامة. لذا فإنني أنصح كل من يريد أن يمارس هذه المهنة أن لا يقدم على ذلك حتى يلم من ناحية نظرية بطبيعة الجسم البشري وفسيولوجيته، ويتدرب على أيدي خبراء متمرسين لمدة كافية تؤهله لممارسة ذلك.
من الأخطاء التي يقع فيها غير المؤهلين - كما يقول الخبير محمد سعيد - بالإضافة إلى ما ذكر، أنهم يقومون بتوسيع الجروح وتطويلها وهذا خطأ، والوضع الصحيح أن يقوم الحجام بإسالة الدم عن طريق الوخز وليس بشرط اللحم وتشطيبه، وممارستها بهذه الطريقة لا تترك أثراً كبيراً وتندمل بسرعة كبيرة، كما أن بعضهم يقوم بإخراج كميات كبيرة من الدم أثناء إجراء الحجامة، وقد تكون الحالة لا تتطلب ذلك، وكل ذلك خاضع وراجع إلى حالة المريض وطبيعة الأمراض والآلام التي يشتكي منها.
الحجامة من الممارسات العلاجية التي عرفتها الأمم والشعوب منذ القدم، فقد عرفها الصينيون والبابليون والفراعنة، والعرب القدامى، وأقرها الإسلام واحتجم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وحث أمته على ذلك حتى أنه قال ـ كما ورد في سنن أبي داود وابن ماجه ومسند أحمد ـ "إن كان في شيء مما تداويتم به خيرٌ فالحجامة". ولعل مما ينظم هذه الممارسة ويضبطها أن يُصار إلى تقنين تلك الممارسة بحيث لا يقدم عليها إلا من كان مؤهلاً وقادراً على ذلك وهو الأمر الذي يستوجب من الجهات الصحية المختصة دراسة هذه القضية ووضع القوانين والإجراءات التنفيذية الخاصة بها.
كاتب اردني