د. مهند مبيضين
يوم غدت مديرة لمدرسة الجبيهة الثانوية للبنات العام 2000 وصل كتاب للمدرسة من مديرية تربية عمان الثانية يفيد بتدني نتائج المدرسة قياسا بمدخلاتها.
ذلك الواقع كان تحديا كبيرا بالنسبة إلى د. مريم اللوزي التي توجب عليها أن ترتقي بالمدرسة التي نسجت ذاكرتها فيها طالبة ومعلمة ثم مديرة. وقد فعلت، وزينت اسم مدرستها، بعد جهد كبير حققت من خلاله حلمها وحلم فريق المدرسة.
ولدت مريم عواد اللوزي في "قرية الجبيهة" التي تصفها أنها "كانت قرية وادعة مطلة على الجامعة الأردنية". وتقول "كنا نصيف في الجهات الشمالية، ونعود إلى البيوت القديمة قرب البلدية في الشتاء".
وفي مدرسة أم شريك الابتدائية التي بدأت بغرفتين في بيت الراحل المختار عبد الله اللوزي، ثم تطورت إلى ست غرف وما تزال موجودة حتى الآن، تلقت مريم تعليمها الابتدائي، ومنها انتقلت إلى مدرسة صويلح الثانوية، الوحيدة آنذاك في غرب عمان، بعدما حققت المرتبة الأولى في امتحان المترك بمدرسة الجبيهة.
في مدرسة صويلح كانت المنافسة بين الطالبات أكثر حدة. تقول "العدد كان اكبر، والمنافسة أصعب"، ولكنها صممت على أن تكون الأولى على ضواحي عمان كلها في الفرع الأدبي، وقد حققت ما أرادت.
في العام 1977 قبلت للدراسة في الجامعة الأردنية مبعوثة على حساب وزارة التربية، فدرست الأدب العربي، وأنهت دراستها الجامعية بثلاثة أعوام مع الفصل الصيفي.
وقد درست على أيدي أساتذة مرموقين: الراحل نصرت عبد الرحمن، نهاد الموسى وخالد الكركي وصلاح جرار وغيرهم.
تقول عن تلك الفترة "كانت الحركة الطلابية في أوجها، وكان الطلاب مسيسين". بيد أنها لم تلج السياسة كون "الأحزاب كانت غير منظمة، وتتصرف بمنطق رد الفعل وبلا برامج". وتؤكد "كان همي التحصيل الأكاديمي".
بعد التخرج عينت معلمة في مدرسة الجبيهة، التي تلقت فيها بدايات تعليمها. وكانت صفوفها حتى الثالث الإعدادي، فقد تطورت المدرسة، إذ كان عليها أن تفتتح صفوفا جديدة بسبب الإقبال على التعليم وزيادة عدد سكان المنطقة، كما استقطبت مناطق شفا بدران وتلاع العلي، وغدت رديفة لمدرسة صويلح.
حب الدراسة لازمها طويلا، وهي التي تكاد لم تنقطع عنها خلال مراحل عمرها كلها، فبعد أن تخرجت درست دبلوم تربية، وانتظرت حتى العام 1999 لتكمل الماجستير من الجامعة الأردنية، أما العام 2004 فقد حمل إليها الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة عمان العربية في تخصص الكتابة الإبداعية.
استمرت في العمل كمعلمة فترة سبعة عشر عاما، لتحول بعدها إلى مساعدة مديرة للمدرسة، وبعد عام واحد أصبحت مديرة مدرسة الجبيهة الأساسية "أم شريك"، ثم في العام 2000 عادت مديرة للمدرسة الثانوية.
في أول يوم استلمت فيه إدارة المدرسة تذكرت المديرة الأولى لها في العام 1965 المربية الهام البشتاوي، وراحت تبحث عنها "تذكرتها وبقيت أبحث عنها لأجد أنها عادت من الخليج، فعملت لها تكريما مع معلمات أخريات تقاعدن من الخدمة".
عندما وصلها كتاب مديرية التربية الذي يفيد بتدني نتائج المدرسة، عملت على تفعيل المدخلات كلها: المختبرات، المكتبة، الهيئة الإدارية والتدريسية، وفرض عليها التحدي أن لا تغيب يوما، وأن تتأخر، وأن تعمل بعد الظهر أحيانا لأجل بداية كانت صعبة. تقول "كان الأمر متعبا لي في البداية، فقد توجب علي أن أعمل على الناحية الإدارية والتعليمية معا".
عملت اللوزي على رفع مستوى تحصيل الطالبات في الثانوية، ووضعت النجاح الكامل هدفا لها.
واجهتها مشكلات عدة موجودة في القطاع العام ومنها التسيب لدى بعض العاملين، وقلة التواصل مع المجتمع المحلي "كان لا بد من دعم المدرسة التي تنافس لأجل الدعم الحكومي بين 170 مدرسة تابعة لمديرية عمان الثانية".
الدخل المادي والدعم المعنوي كان غاية لتحقيق الهدف الأنبل، وكان عليها في البداية أن تقنع الأهل بجدوى الدعم. تقول "كوّنا فرق عمل وفرقا تطوعية لتنظيف وصيانة المدرسة".
استمر العمل حتى أصبحت المدرسة بيئة جميلة "كأنك حين تلجها تدخل قصرا مفعما بالهدوء، وتخلو جدرانه من خرابيش الطلبة".
تصر على أن الانتماء للوطن لا يكون برفع الصور والبهرجة والتغني المفرط، بل ترى أن الانتماء يعني الانجاز وتحقيق الأهداف التي تكمل الحلم الأردني "إن غرست الانتماء في الطالب فأنت تحوله إلى قيمة وانجاز".
لأجل ذلك جعلت نفسها من فريق المعلمات، ولم يكن يعني موقع المديرة إلا تحقيق النجاح، فكانت تحل مكان من تغيب، وتنظف مع الطالبات كل ذلك "لأكون نموذجا لهن"، كما شجعت المعلمات على الالتحاق بدورات تأهيل لتحسين قدراتهن التعليمية.
لا تشعر بأي خسارة أمام النجاح برغم أن الجهد يثقل الكاهل "نزلت سبعة كليوغرامات، كنت اعمل معهم جميعا، وأغادر المدرسة آخر واحدة، وأتدخل في حل مشكلات المعلمات، وشكلت لجنة اجتماعية لتفعيل جانب المشاركة".
العمل على تحسين قدرات ونتائج المدرسة ظهرت بواكيره العام 2001، فمتوسط علامات المدرسة جاء بالمرتبة الأولى على مديرية عمان الثانية التي تضم 170 مدرسة "كان ذلك بعد عام واحد من العمل ".
هدفها كان وما زال كبيرا، العام 2002 هدفت لأن تكون مدرستها منافسة على مستوى المملكة، فعملت على تكثيف ساعات العمل، وأدخلت أولياء الأمور معها في المسؤولية، وأعدت ورشات عمل للأمهات، ودربت الطالبات على الطريقة الأفضل للدراسة، كما تدخلت مع المعلمات في التخطيط للاختبارات، وكان هناك حصص إضافية للطالبات.
بحكم تخصصها في الإبداع دفعت المعلمات إلى أن يعدن تقييم الاختبارات، وأن يضعن خططا علاجية للطالبات الضعيفات، وخططا إثرائية للمتفوقات لزيادة تحصيلهن الأكاديمي.
تقول "كنت أتواصل معهن يوميا، وأضع برامج منزلية لهن، وكنت انصح الأهل بنوع الأكل الذي يجب أن يقدم لهن".
أواخر العام الدراسي 2002-2003 جاءت النتائج، فكان متوسط علامات المدرسة في المرتبة الثالثة عشرة على مستوى المملكة، لتكرم مدرستها بين أول 25 مدرسة.
الأعوام التالية حملت إصراراً آخر على تحقيق التقدم، فرفعت المدرسة من أهدافها بالإفادة من تقييم الأعوام الماضية وتغيير البرامج وتطوير الأداء وإدخال التقنية وتكثيف ورشات العمل لأولياء الأمور والإطلاع عبر الترجمة على الأدب والدراسات الغربية التي تجعل الطالب مبدعا.
وطبقت بعض الدراسات على الطالبات، وكان هناك عمل لتوفير بيئة آمنة للطالبات في المنازل، وتواصلت اللوزي مع الأهل، وتدخلت مع زميلاتها في حل مشاكل الطالبات الأسرية.
ترى اللوزي أن ترجمة الأدب الغربي هو "السر في النجاح" الذي حققته فيما بعد عندما كانت النتيجة في متوسط العلامات للمدرسة بالمرتبة الأولى على مستوى المملكة في الفرع الأدبي والثانية في الفرع العلمي.
النجاح ما يزال مستمرا، ففي كل عام يصادف أن تكون هناك ثلاث طالبات من أوائل المملكة من مدرستها. تقول "استطعت أن أحصّل درعين على مستوى المملكة، وصار اقل معدل عندي في التوجيهي هو 76".
سفر النجاح تحقق بفضل العمل الدؤوب على الطالبات، ومن نتائج ذلك الجهد في العام الماضي كانت الأولى على المملكة من مدرستها، وفي الدورة الشتوية للعام الحالي كانت الأولى من مدرستها "كان معدلها 99.1، ولم تستعن بأي معهد أو مدرس خصوصي".
التعليم عند اللوزي ليس مجرد نجاح وتقدم في العلامات فقط، فهي تولي الأنشطة اللامنهجية جانبا كبيرا من العناية والاهتمام، إذ تميزت مدرسة الجبيهة على مستوى الوزارة، فأسست فرقة للغناء منذ وقت طويل "كان لدينا عازفات على العود والاورج، وأسسنا للفلكور، ودعمنا الإبداع في القصة والشعر والأغنية، ودربنا الطالبات على التلحين والإخراج المسرحي".
تعد العمل في النشاط المدرسي مكملا للنجاح والتفوق الأكاديمي "اليوم فعّلنا النشاط اللاصفي من فلكور وموسيقى، وفزنا على مستوى المملكة في الأغنية الوطنية، وفزنا بالقصة والمقالة".
عزمها لا يلين، وترى أن الإنجاز يضع المرء أمام العالم ففي العام الماضي اشتركت بمشروع عالمي E-twining مع الاتحاد الأوروبي بمائدة مستديرة عن المأكولات الشعبية، فعملت على المنسف طوال العام، وكانت النتيجة الفوز بالمرتبة الأولى على الاتحاد الأوروبي، وتم استضافتها مع طالبة ومعلمة في مؤتمر عالمي في روما.
وللرياضة أيضا نصيب، إذ مثلت طالباتها الأردن في مسابقات تنس الطاولة في اليمن وتايوان والصين وتونس ولبنان وقبرص.
المدرسة عندها تتجاوز الأسوار المغلقة التقليدية، وتتعدى مسؤوليتها إلى المجتمع "شجعنا البحوث الإجرائية، وقام فريق من المدرسة بالنزول إلى الشارع وعمل بحث عن الأطفال بين التسول والتشرد عامي 2006-2007، وفزنا بالبحث على مستوى المملكة في جائزة سمو الأمير الحسن للتميز العلمي للبحث الإجرائي".
حال التعليم والتغييرات السريعة في عالم المعرفة تزيد من التحديات، وهي تدرك ذلك تماما "اليوم تنوعت البرامج فأخذت التقنية حيزا كبيرا، وصار هناك عبء إضافي على المعلم والإدارة"، تقول ذلك وهي تلمح إلى اندماج المدرسة في اقتصاد المعرفة "صار لدينا مختبرات ثلاثة SMART BOORD"، وهذا النمط الجديد يزيد برأيها من جهود المعلمين ويثقل عليهم.
نجاح المدرسة لم يكتمل لولا جهود مؤسسات وطنية وجدت أن النجاح الذي تحقق يجب أن يحاط برعاية وأن يقابل بالدعم، ومنها وزارة التربية والتعليم ممثلة بمديرية تربية عمان الثانية، وأمانة عمان، والجامعة الأردنية، وبنك الإسكان، كما لا تنسى دور أولياء الأمور وتعاونهم المستمر.
نجاح أم محمد تحقق قبل الحصول على نتائج متقدمة، وذلك بتكوين فريق من المعلمات المتعاونات من أجل تحقيق الأهداف واللواتي عملن معها بروح الفريق، ما جعلهن أشبه بفريق أزمات يتدخل كثيرا لحل مشاكل على النطاق المحلي ونطاق الأسرة.
دعم المجتمع المحلي كان بلا حدود، لذلك كان على المدرسة أن تكون شريكة معه، فالمدرسة "تقدم خدمة لبعض الأمهات بتسويق منتوجاتهن من أشغال يدوية وسيراميك، وفي بداية كل فصل ننظم بازارا" .
النجاح جلب على المدرسة التي تتنافس فيها الطالبات الأوائل في الأعشار إقبالا شديدا، حتى أن ولي الأمر قد يحجز مقعدا لابنته وينتظر عامين، بسبب البيئة الجاذبة للتعليم، والجو التربوي.
تقول "معظم طالباتي يذهبن إلى الجامعة الأردنية، فالأولى في الطب في الجامعة الأردنية وجامعة العلوم والتكنولوجيا من مدرستنا. وجميع طالباتي يجتزن امتحان مهارات الحاسوب واللغة العربية والانجليزية من المرة الأولى".
صار تميز طالباتها في هدفهن وهو الحصول على معدل في التوجيهي فوق التسعين، ولأجل تحقيق أهداف الطالبات "نحن كل سبت نداوم للتدريس الإضافي، والمعلمات قد يمتد عملهن حتى الخامسة بعد الظهر، فالكادر غدا مميزا جدا، ونحن نبدأ مع التوجيهي قبل بداية العام الدراسي بأسبوعين، وقد يصل بالمعلمة أن تدرس سبعين حصة إضافية من تلقاء نفسها حبا في العمل والنجاح كي نصل إلى الهدف الذي نصبوا إليه"
مواقفها الصعبة في العمل كثيرة، والمشاكل لا تحصى، لكن كل ذلك لا يثنيها عن أهدافها، بل يزيدها عزما وإصرارا "عزيمتي وتصميمي وحبي لبلدي يجعلني أروض أي أزمة".
وهي حين تقف عند التقدير على الانجاز تفخر بأنها قُلّدت وسام الحسين للتميز والعطاء على نتائج الثانوية من قبل جلالة الملك عبد الله الثاني.
وتؤكد "كان اكبر حافز لنا للعمل والتقدم، ومما حفزنا أيضا أن جلالة الملكة رانيا العبد الله شرفتنا بزيارة كريمة، ورعت احتفالا بيوم الكرامة، وفي معيتها قيادة عالمية أعجبوا بمستوى الطالبات في المدرسة".
حياتها الأسرية تسير على أحسن حال، وأحوال أبنائها انعكاس حقيقي لما حققته من نجاحات في ميدان العمل.
ففي العام 1981 تزوجت من السيد خميس خليفة اللوزي، وأنجبت منه ستة أبناء: البكر ميساء خريجة الجامعة الأردنية في اللغة الانجليزية، ثم أثيل درست الاقتصاد في الأردنية، وتعمل الآن في الجمعية العلمية الملكية، وأريج تخرجت أدب لغة انجليزية ودرست ماجستير في لندن في اللغة الانجليزية، وتعد للسفر لدراسة الدكتوراه في الترجمة، ومها درست لغات أجنبية وتخرجت هذا العام، وهديل في سنة أولى تخصص اللغات في الجامعة الأردنية، وأصغرهم محمد في الصف التاسع.