يوسف الشايب
رام الله - يثير هدير الجرافات الذعر لدى الفلسطيني شاهر العطاري وهي تغير معالم أرضه التي صدر قرار رئاسي باستملاكها لمصلحة شركة "بيتي" التي بعثت جرافاتها لتبدأ بناء مشروع مدينة روابي السكنية على أراضيهم.
وينضم العطاري الى عشرات المحتجين المتضررين من بناء المدينة على أراضيهم في قرى وبلدات عطارة وعجول وعبوين شمال غربي رام الله.
يقول العطاري الذي يلتبس لديه مفهوم "الاستملاك للمنفعة العامة" لدى المحتجين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة قرار يصادر أملاكهم "في هذه الارض زيتون وذكريات ستقتلعها الجرافات، وفيها رائحة آبائي وأجدادي"، متسائلا عن أي وجهة ستأخذها حياته بعد مصادرة نحو 15 دونما من أرضه.
وفي اعتصام احتجاجي يوم الجمعة الماضي رفع عشرات الفلاحين صوتهم، مطالبين الرئيس الفلسطيني محمود عباس التراجع عن قرارا الاستملاك، والاستماع إلى معاناتهم، مؤكدين أنهم سيواصلون احتجاجهم السلمي حتى تركهم وشأنهم في أراضيهم.
وكان عباس أصدر قراراً في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بالمصادقة على قرار مجلس الوزراء في الخامس من آذار (مارس) الماضي استملاك أراض من بلدات وقرى عطارة وعجول وعبوين لصالح شركة "بيتي"، لتنشئ عليها مدينة "روابي" السكنية.
من جهته، يقول رئيس مجلس إدارة شركة "بيتي" بشار المصري، "إن الشركة اخبرت مالكي الأراضي بنيتها بناء مدينة على أراضي عجول بالدرجة الأولى، وبعض أراضي عبوين وعطارة، وكنا شفافين معهم، ولم نقم بشراء أراض بصمت وبأسعار بخسة". وأوضح أنه "حين بدأنا إجراءات إقامة "روابي" كانت أسعار أراضي قرية عجول تتراوح ما بين نصف دينار ودينار أردني للمتر المربع، وحين أعلنا عن إقامة المدينة ارتفعت الى ما بين خمسة دنانير وعشرة للمتر".
و"بيتي" هي ائتلاف بين شركتي "الديار" القطرية و"مسار" العالمية، ويرأس مجلس إدارتها رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري وتقول إن "روابي" ستكون أول مدينة نموذجية في فلسطين.
وبعد أن يقول القرار الرئاسي إن الاستملاك يأتي "لغايات المنفعة العامة"، يشير بوضوح إلى أن الأراضي الخاضعة لقرار الاستملاك في "مناطق عجول وعطارة وعبوين" هي "لصالح شركة بيتي للاستثمار العقاري المساهمة الخصوصية المحدودة لإقامة وإنشاء بلدة روابي، بحيث تنتزع مطلقاً ملكية الأراضي".
ويقول العطاري إن الفاجعة أن القرار الرئاسي وبعد أن يتحدث عن استملاك 1525 دونماً من أراضي عجول، و118 دونماً من أراضي عبوين، و212 دونماً من أراضي عطارة، يشير إلى أن "كل من يدعي بأي حق أو منفعة على الأراضي المشار إليها، ويرغب في الحصول على تعويض، أن يتقدم بطلب وفقاً للأصول القانونية إلى شركة بيتي للاستثمار العقاري المساهمة الخصوصية المحدودة، مبيناً فيه الحقوق المدعى بها مرفقاً بالمستندات المؤيدة لذلك، وأن على أصحاب قطع الأراضي المذكورة أو المنتفعين بها أن يمتنعوا عن التصرف بها بأي نوع من أنواع التصرف، وأن يبادروا برفع أيديهم عنها".
وخلال فترة ما بين قرار الاستملاك الحكومي والمصادقة الرئاسية، ناشد المزارعون المتضررون في القرى الثلاث الرئيس محمود عباس بعدم المصادقة على القرار، وإلغائه، اذ وجهوا في التاسع من حزيران (يونيو) الماضي مناشدة إلى الرئيس الفلسطيني، عبر صحيفة القدس الفلسطينية اليومية، يطالبونه فيها بالتدخل لإلغاء قرار الاستملاك ورفع "الاعتداء على أراضيهم التي ورثوها عن أجدادهم، ودفعوا فداءها شهداء وأسرى ما يزالوا يقبعون في سجون الاحتلال".
وقال متضررون إنهم قرروا التوجه الى محكمة العدل العليا الفلسطينية للوقوف على قانونية قرار استملاك أراضيهم لصالح شركة إن كان ينطبق عليه مفهوم "الاستملاك للمنفعة العامة" أم لا. ويخطط المتضررون كذلك للشروع بسلسلة احتجاجات ميدانية، وعبر وسائل الإعلام ومواقع إلكنرونية شهيرة، مثل" فيس بوك".
وفي مطلع آب (اغسطس) الماضي ناشد ورثة الراحل كامل عارف الحسيني وعدد من أهالي قرية عجول وعطارة الرئيس الفلسطيني ورئيس وزرائه و"الحكماء والعقلاء في هذا البلد"، عبر صحيفة "القدس" المقدسية عدم المصادقة على قرار استملاك أراض لمصلحة شركة "بيتي" للاستثمار العقاري في عجول وعبوين وعطارة.
ورأت المطالبة أن في قرار الاستملاك هذا "مصادرة واغتصاب أراضينا لمصلحة شركة خاصة بحجة الاستملاك"، معتبرة أن هذا الأمر "اعتداء وغصب ومصادرة لهذه الأراضي، ويعطي الاحتلال الإسرائيلي حجة لمصادرة أراض واستملاكها لبناء المستوطنات عليها".
وأكدت المطالبة "أن لمصادرة الأراضي بهذا الشكل لمصلحة شركات خاصة تداعيات وعواقب وخيمة وخطيرة تطاول مجتمعنا الفلسطيني، ولا نريد أن نصل إلى هذا الحد".
ويضيف المصري: حتى تقيم مدينة عصرية متكاملة لا بد من امتلاك قطعة أرض متكاملة، وقمنا بشراء المساحة الأكبر في بؤرة المدينة، وتبقى فقط 500 دونم لم نتمكن من شرائها لأسباب، منها أن الملاك أو من لديهم حصص في بعض قطع الأراضي هم دون السن القانونية، وبعضهم مهاجرون إلى الخارج، وآخرون مجهولو مكان الإقامة، بينما أقلية منهم "طمعوا" في رفع أثمان أراضيهم، على الرغم من أنهم وافقوا سابقا على عرض الشركة، لكنهم تراجعوا رغبة منهم في مزيد من الأموال، وتذرعوا بأنهم لا يرغبون في البيع لأن أرضهم عزيزة عليهم .. هذا "حكي فاضي"، إذ إن المساحة المزروعة بالزيتون لا تتجاوز 70 دونما من بين الأراضي المستملكة".
وقال إن غالبية هذه الأراضي غير مسجلة في دائرة الأراضي خصوصا في عجول وعبوين، أما أراضي عطارة المسجلة فمن بين الـ220 دونماً التي شملها قرار الاستملاك هناك 70 دونماً ملك للشركة أصلاً. وأكد المصري أن "بيتي" لا تحدد سعر الأرض، بل ان لجنة شكلتها السلطة الفلسطينية وتضم مخمنين قانونيين، وممثلين عن عدد من الوزارات.
لكن المتضررين يؤكدون أن شركة "بيتي" "لم تبد حسن نوايا، حيث قدمت حججا واهية للحصول على الاستملاك من مجلس الوزراء، متذرعة أن هناك غائبين وقصرا وأملاكا غير معروفة لأحد"، مؤكدين أن هذا الادعاء يخالف واقع ملكية هذه الاراضي..
وأوضح العطاري أنه جرى تخمين أراضي عطارة بين 5 إلى 20 ديناراً أردنياً للمتر المربع الواحد، وأراضي عجول بين 4 إلى 16 ديناراً، وفي ذلك ظلم كبير، خصوصا أن هذه المساحات مزروعة بالزيتون الذي يدر علينا دخلاً سنوياً منذ قرون". وأكد "لن أبيع زيتونة واحدة بألف دينار أو أكثر".
رسميا، قال مدير مكتب الإعلام الحكومي في رام الله غسان الخطيب، إن "قرار الاستملاك تم وفق الإجراءات القانونية، خصوصا وأن مشروع مدينة روابي هو للمنفعة العامة، ويأتي في إطار التنمية الاقتصادية".
وأوضح الخطيب أن شركة "بيتي" أودعت في خزينة وزارة المالية المبالغ اللازمة لتعويض أصحاب الأراضي المشمولة بقرار الاستملاك، معتبرا أنه لا يجوز مقارنة قرار الاستملاك للمصلحة والمنفعة العامة بالاستيطان غير الشرعي للأرض الفلسطينية. وأكد أن "الحكومة شكلت لجنة لتخمين الأراضي قبل استصدار قرار الاستملاك لمصلحة شركة "بيتي" ومدينة روابي، وأعتقد أن اللجنة وضعت نصب عينها تحقيق العدالة لكل الأطراف".
من جهته، يؤكد المتضرر أحمد العطاري، الذي يملك واشقاؤه 70 دونما جرى استملاكها لشركة "بيتي" أن الشركة لجأت الى تخفيض سعر شراء الدونم بعد صدور قرار الاستملاك من 35 ألف دينار الى 5 آلاف دينار.
ويضيف أن صدور قرار الاستملاك ممهورا بمصادقة الرئيس أحدث لدى كثير من المتضررين خوفا بإحجام شركة "بيتي" عن دفع أي مقابل لأراضيهم، خصوصا وأن سماسرة الشركة يبثون إشاعات تغذي هذه المخاوف، فضلا عن أنهم يروجون فكرة أن أية مقاومة للاستملاك هي مقاومة للرئيس وعرقلة لمشاريع وطنية.
من جهته، يقول رئيس بلدية عطارة روحي عقل، إن موقفا موحدا يجمع بين بلديات عطارة وعجول وعبوين يؤكد أن تحديد مدينة روابي كان يجب أن يتم بالتشاور مع البلديات الثلاث، موضحا أن مخطط "روابي" سيمنع أي توسع عمراني مستقبلي في عطارة. ويضيف أن كثيرين ممن عادوا إلى عطارة من الاغتراب يعيشون حالا من الصدمة بعد أن أدركوا أن أراضيهم لم تعد لهم وباتت ملكاً لشركة خاصة.