لا يوجد ما يمكن أن يبرر، أو على الأقل يفسر، بعض القرارات والمواقف الرسمية التي تعطي إشارات ورسائل داخلية وخارجية، بتقييد الحريات العامة والإعلامية والتضييق عليها.
المفارقة تبدو أنّ الصحافيين والإعلاميين يسمعون كلاماً من الرئيس ووعوداً مطمئنة. بينما تخرج ممارسات من أطراف رسمية أخرى تسير في الاتجاه المعاكس أو المغاير تماماً.
ذلك يوحي بأنّنا ما نزال أمام تعدد المرجعيات الرسمية، وتضاربها في أحيان، وبأنّ الحكومة لا تملك الصلاحيات الدستورية الكاملة، ما يخالف روح كتاب التكليف الملكي والرسائل الواضحة التي ارتبطت بطبيعة اللحظة السياسية الحالية، التي كانت تؤكد على أن العام الحالي هو عام الإصلاح.
إعلامياً، فإنّ تدخل مدير المطبوعات والنشر في عمل المواقع الإلكترونية، ومطالبته بحذف بعض المقالات، يمثل رسالة سلبية، حتى ولو كان ذلك من باب "النصيحة القانونية"، بخاصة أنّ المواد المشار إليها في كلا موقعي "خبرني" و"كل الأردن" لا تخرج عن سقف الحريات الإعلامية، ولا حتى عن تقاليد الحوار السياسي، ولا يجوز أن يتحدث الملك عن حرية سقفها السماء، ثم يأتي من يريد أن ينزل بـ"الخطوط الحمراء" لتلامس باطن الأرض!
الخبر الجيّد أنّ أوساط الرئاسة لم تتبنّ ما قام به مدير المطبوعات والنشر، بقدر ما اعتُبر "اجتهاداً خاطئاً"، وذلك، إذا قبلناه، يدفع إلى الاطمئنان بأنّنا لسنا أمام توجهات رسمية منهجية في تقييد الحريات الإعلامية الحقيقية، التي تخدم الوطن والدولة والإعلام نفسه.
عندما قدّمت الحكومة مدونة السلوك في علاقتها بالإعلام تمّ قبولها من أغلب الجسم الإعلامي، إذ إنّها ستساعد في ترسيم العلاقات بصورة واضحة، وتمنع تضارب المصالح. لكن ما يقلق شريحة واسعة من الإعلاميين أن تكون المدوّنة هي وسيلة من وسائل الضغط، تتضافر معها أدوات أخرى، للحدّ من سطوة الإعلام وسلطته الناعمة المتنامية بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
من يفكر بهذه الطريقة العُرفية مخطئ تماماً، ولا يدرك أهمية "الرسالة الإعلامية" الحرة المستقلة وقيمتها في زمن الإعلام، ويُفقد الدولة أحد أهم مصادر قوتها، ويخلق شروخاً وثغرات سياسية واسعة بين الدولة والمجتمع.
تتزامن هذه المخاوف وتتعزز مع التضييق على الحريات العامة. ولعلّ النموذج الأبرز على ذلك اعتقال عضو مجلس إدارة نقابة الممرضين، سلمان المساعيد، على خلفية اعتصام أمام السفارة المصرية، وهي مسألة تقع في صُلب موضوع الحريات العامة.
وُسِمت الحكومة، منذ اليوم الأول، بأنّها محافظة سياسياً، وجرت محاولات إلصاق صورتها الإعلامية خارجياً بطابع سلبي. الآن، لا يخدم صورتها داخلياً وخارجياً، ولا سمعة الأردن، تشكل قناعات بأنّنا أمام تراجع ملموس في الحريات الإعلامية والعامة.
هنالك تقارير دولية تتحدّث، مؤخراً، عن تراجع الحريات العامة هنا. واليوم، تُعلن منظمة هيومن رايتس ووتش، تقريرها القاسي عن "سحب الجنسيات" في الأردن، وعلى الحكومة أن تقرأ هذه الأجواء السياسية والإعلامية جيّداً.
