حلقة تفاوض نووية كانت سببا كافيا لجلوس الإيرانيين مع الأميركان في اجتماع مجموعة الدول الست، للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود، من جهة يبدو الاميركان مضطرين لسياسة النفس الطويل مع الإيرانيين، بعدما فشلت الاستخبارات الأميركية في الاستثمار في معلومات سرية امتلكتها عن محطة قم التي استبقهم الإيرانيون في الإعلان عنها كي لا تستخدم ذريعة بيدهم لإقناع حلفائهم بمستويات مرتفعة من العقوبات ضد إيران.
من جهة أخرى لجوء إيران للإعلان عن محطة قم التي لن يتجاوز مستوى تخصيب اليورانيوم فيها الـ5 % ليس من باب كسب الثقة ولا حسن نوايا نووية، قد يكون ضربة استباقية لجهود الاستخبارات الأميركية التي عملت على جمع المعلومات عن المحطة منذ نهاية عهد بوش، إلى أن وصلت الرسالة الإيرانية قبل نحو أسبوع ونيف للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكنه في ذات الوقت تحرك مرتبط بالتوتر الداخلي المستمر من إعلان نتائج انتخابات الرئاسة، والذي لا بد من اجل تخفيف وطأته العمل على أحداث اختراقات في ملفات إقليمية أو دولية أو الانحناء قليلا للعاصفة، وكان تجاهل سعيد جليلي المسؤول الأول في الملف النووي الإيراني لسؤال صحافي اسرائيلي له في جنيف أول من أمس عن دعوة نجاد لمحو إسرائيل نوعا من ذاك التذاكي في التغاضي لتخفيف وطء ضغط الدول الست المتزايد تجاه إيران.
إيران داخليا ما زالت متوترة، وكانت شهدت في آخر جمعة من شهر رمضان ما لم تشهده من قبل، إذ تعسفت قوى الحرس الثوري في ردع جمهور الإصلاحيين، وحقق ذلك التعسف ما تتمناه إسرائيل بأن تحول يوم القدس من مناسبة إيرانية للتنديد بها وباحتلالها لفلسطين، إلى مواجهة داخلية بين أنصار الإصلاح والمحافظين، واقتتال على ما تبقى من تراث الإمام الخميني، وفي المواجهات سقطت عمامة الرئيس السابق محمد خاتمي؛ لتعرضه للدفع والضرب، وصاح الشباب الإصلاحيون "لا غزة ولا لبنان.. نستشهد من اجل إيران".
الأحداث الأخيرة التي ما زالت قابلة للتطور أثبتت أن العودة إلى إيران ما قبل الانتخابات الرئاسية تبدو ضرباً من التمني، وكشفت عن عمق الأزمة الداخلية التي تشهدها البلاد والتي تتعدى أزمة انتخابات الرئاسة إلى جدوى فكرة الحكم بولاية الفقيه وهو ما يقوض دولة الثورة من أساسها.
ما يجري داخليا في إيران لا ينفصل عن مواقفها الخارجية وانعكس سلبا عليها في طريقها التفاوضي مع المجموعة الدولية حيال ملفها النووي، خاصة في ظل حدوث تقارب أميركي روسي وتفاهمات بشأن سياسة الدرع الواقي، وهو ما قد يحدث تغييرا في الموقف الروسي تجاه إيران.
كان لافتا في المشهد الإيراني منذ الانتخابات، ما جاء عبر المناظرات بين مرشحي الرئاسة والتي شفت عن معاني تتجاوز خلاف وجهات النظر في السياسات، وعبرت عن أوسع حالة انقسام وتوتر بين صفوف المجتمع الإيراني منذ قيام الثورة، فلأول مرة تعرض المرشحون لأصولهم حين تحدى مهدي كروبي أن يذكر احمد نجاد أسماء أجداده باعتبار أن الأخير من أصل يهودي، وكذلك فعل مهدي خزعلي نجل آية الله خزعلي المعروف بدعمه لنجاد، حين انتقد نجاد من زاوية الأصل والفصل.
ختاما، الحالة الراهنة في الانقسام حتى على أصل الرئيس، تجاوزت أيضا حد التضييق على تيار إصلاحي إلى انقلاب ناعم سيقود البلاد إلى خلاص نهائي، أو تنازل عن دور إقليمي يمكن له أن يقود إلى انفراجات في ملفات إقليمية وبخاصة في لبنان، وتغير في مواقع الأحلاف، في مقابل الحفاظ على حقوق إيران النووية
Mohannad.almubaidn@alghad.jo
د. مهند مبيضين