تمر في صحافتنا العربية في كل عام مناسبة الإعلان عن جائزة "نوبل"، ويتفاعل الكتّاب مع الجائزة بإعلان الحسرة أو الاستغراب حول عدم فوز عربي بالجائزة، ويقدّم البعض اقتراحاتهم لمن يجب أن يفوز. ربما لأسباب منها أن لنا سابقة مع نجيب محفوظ، أو لأننا لا نعرف علماء عربا في المجالات الأخرى – هذا لا يعني أنّهم غير موجودين – وإن كان السؤال هو أين هم؟
لا أعلم ما هي المواصفات والشروط للفوز بالجائزة، ولكني أستغرب كل عام عدم فوز سلمى الخضراء الجيوسي، بهذه الجائزة، وتحديدا نوبل للسلام.
ما أنا متأكد منه أنّ سلمى وإنجازها أصبحا أكبر من الجوائز. وأنّ اسمها سيبقى راسخا على الدوام، وأنّه كلما تقدّم الزمن أدرك العالم أهميّة ما قدمته سلمى للبشرية. فلا يوجد أي دارس بالإنجليزية للأدب والثقافة العربيتين يستطيع الاستغناء عن المجلدات التي كتبتها وحرّرتها، وبالتالي فأعمالها جسر للتفاهم بين الحضارات.
ولدت سلمى في السلط عام 1928، وكان الدها محاميا من صفد، ووالدتها لبنانية مثقفة وابنة طبيب جراح. تلقت تعليمها المدرسي في عكا والقدس، ودرست في الجامعة الأميركية في بيروت الأدبين العربي والإنجليزي.
هي المحررة الأدبية لصحيفة "الأنوار" اللبنانية في الخمسينيات، وكتبت في مجلتي "الآداب" و"شعر" على ما كان بينهما من صراع. ولكنها افترقت مع جماعة "شعر"، وتنبهت مبكّرا أن أصحاب الأيديولوجيات الحداثية، كأي منهج ثوري آخر، قد يتحولون بذاتهم لقوى محافظة تمنع التغيير، ورفضت موقفهم من التراث العربي. رسالتها للدكتوراة من جامعة لندن، عام 1970، بعنوان "الاتجاهات والحركات في الشعر العربي" الحديث نشرت وأصبحت مرجعا أساسيا للشعر العربي في الأكاديميات الغـربية، وكتبت أكثر من جزء من موسوعة كيمبردج للأدب العربي، ولها دواوين شعرية ونظريّات نقدية.
تركت في العام 1980 بريق التدريس في الجامعات الأميركية، (مارست التدريس أيضا في جامعات السودان والجزائر)، وتفرّغت لمشروعها التاريخي (بروتا)، المعني بترجمة الأدب والثقافة العربية للغة الإنجليزية، يعاونها عدد من كبار الأكاديميين والمترجمين العالميين، من خلال كبريات دور النشر في الغرب، التي أعطتها ثقتها. ومع تقدّم المشروع بدأت مؤسسات عربية وغربية تدعمه. وشيئا فشيئا أصبح نتاج "بروتـا" جزءا مهما من المكتبة الإنجليزية. وحتى اليوم لا يوجد لهذا المشروع، رغم إنجازه ما تعجز عنه كبرى المؤسسات الأكاديمية، مقر رسميّ، سوى منازل الجيوسي وعائلتها، ومنازل المتعاونين معها، في الولايات المتحدة، ولندن، وعمّان. وفي عام 1990 خطت سلمى بالمشروع مرحلة جديدة، فأسّست "رابطة الشرق والغرب"، بحيث تتولى الرابطة العمل البحثي والدراسات، فيما تتولى "بروتا" الترجمات، وقد وصل نتاج المشروعين نحو 50 مجلدا وكتابا، منها عشر مجموعات كبيرة موسوعية، عن مختلف جوانب الأدب والفكر العربيين، وبما يغطي كل الدول العربية والحقب التاريخية المختلفة. ومن الدراسات التي حررتها، كتابها الرئيسي الشامل حول الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس الذي استُقبل في الأكاديميا الغـربية استقبالا رائعًا. وهناك الكتاب الموسوعي عن حقوق الإنسان في الفكر العربي؛ وحول التاريخ الأدبي العربي كتاب عن السرديات القصصية القديمة. وتعمل الآن بنشاط على موسوعتها عن الإرث العربي في صقلية. ولم تترك سلمى دولة عربية لم تقدم من إنتاجها. هناك عشرات الشهادات والإشادات من كبار الكتّاب العالميين والعرب بسلمى، ولكن من بينها جميعها أجد ما قاله عبدالواحد لؤلؤة، الناقد العراقي والأكاديمي، معبّرا، عن ما أريد قوله، فقد قال: "لا أعرف وزارة ثقافة بين الماء والماء خدمت الثقافة العربية، وقدمت الأدب العربي إلى الناطقين بالإنجليزية، مثلما فعلت الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي".
وبهذا فسلمى بدأت حوار الحضارات قبل أن يتحول هذا الحوار إلى موضوع يشغل بال الكثيرين.