يحتاج الفلسطينيون (وكل ما يحتاجه الفلسطينيون يحتاجه العرب) استراتيجية نضاليّة جديدة تتجاوز "سقوط" فتح في فخ مفاوضات عبثية لا تدعمها استراتيجية مقاومة واضحة المعالم، وتتجاوز "وقوع" حماس في حالة اللاحرب واللاسلم الراهنة، والنهج التجريبي الشعبوي الذي اكتنف مقاومتها في الماضي، ويتجاوز سقوط فلسطين رهينة خلافاتهما السلطويّة.
بلعين هي الحل. فتجربة هذه القرية الرابضة في الطريق بين يافا والقدس ويسكنها نحو ألفي شخص، يؤهلها لتصبح مدرسة نضالية.
بين يدي مخطوطة دراسة للصديق عبدالغني سلامة عن مسيرة نضال قرية بلعين، منذ العام 2005، يعرض فيها أنماطا من الأفكار النضالية التي تتبعها القرية في فعاليات أسبوعية للاحتجاج، ويضيق المجال عن سرد هذه الفعاليات، ولكن منها على سبيل المثال فعالية "تربيط الزيتون" حيث يقوم بعض المتظاهرون ومنهم متضامنون أجانب بالتسلل ليلا إلى حقول الزيتون وربط أجسادهم بأشجار الزيتون بواسطة سلاسل حديدية وأقفال كبيرة قبل وصول الجرافات صباحاً لاقتلاعها. فيما دخل آخرون براميل حديدية وأقفلوها على أنفسهم ووضعوها في مواجهة الجرافات لمنعها من تجريف أراضيهم وتخريبها. وذات مرة حملوا مجسمات للمستوطنات مصنوعة من الخشب ومغطاة بالقرميد الأحمر وساروا بها نحو الجدار فما كان من الجنود إلا أن منعوهم من التقدم ثم انهالوا بالضرب بالهراوات وبأعقاب البنادق على هذه المجسمات حتى حطموها، وبعد ذلك رفع الأهالي يافطات باللغة العبرية كُتب عليها: ستحطمون مستوطناتكم الحقيقية وبأيديكم كما فعلتم للتو بهذه الهياكل.
في إحدى المسيرات أصيب الضابط الإسرائيلي الذي كانوا يقود قمع المتظاهرين بحجرٍ في عينه ففقدها، وبعد أن خرج من المستشفى قرر العودة للقرية من أجل الانتقام. ردّ الأهالي بتنظيم مسيرة اشترك فيها عشرات الشبان الفلسطينيين المصابين بإعاقات من جراء جرائم جيش الاحتلال.
نجح أهالي بلعين عام 2007 في استصدار قرار من المحكمة الإسرائيلية يَنُص على عدم قانونية الجدار في مساره وأوصت المحكمة بهدمه وإعادته إلى الخلف بطول 500 متر أي ما يقارب 1100 دونم، وتمكن الأهالي من إعادة نصف ما هو مهدد بالمصادرة. وتم كذلك إلغاء خطة بناء 1100 وحدة سكنية في أراضيهم، وتم هدم بعض الأبنية الاستيطانية.
في السياق تعرض مناضلو الحرية الأجانب للأذى فمثلا تعرضت الناشطة الإيرلندية ميريد كوريغان لإصابة رصاصة في رجلها، وكانت هذه المرة الخامسة التي تزور فيها بلعين، وهي المناضلة العالمية الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 1976، وتعرضت نائب رئيس البرلمان الأوروبي لويزا مركانتيني لجروح وكدمات متوسطة. وأصيب القاضي الإيطالي خوليو توسكانو، بجروح، كما تعرض المحامي الإسرائيلي ليمور غولدشتاين لإطلاق النار في رأسه مرتين برصاص معدني مطاطي.
أثارت تجربة بلعين بنمطها المدني قلق الاحتلال حيث حرمت، كما يقول عبدالغني، الاحتلال من سلاح خطير طالما استخدمه في معاركه الاعلامية حينما دأب على وصف النضال الفلسطيني بالإرهاب، لذلك تم مؤخرا نقل ملف القرية إلى جهاز المخابرات الاسرائيلية والذي تسلم أيضا ملف أمن الاستيطان وأمن الجدار من الجيش. وعلى الفور بدأت المخابرات بسياسة قمع جديدة. واليوم هناك عشرات الشباب من القرية في المعتقلات الإسرائيلية (كان منهم حتى الشهر الماضي على الأقل 18 طفلا تحت سن السادسة عشرة). ويقبع نحو نصف اللجنة الشعبية التي تدير الاحتجاجات في السجن، والبقية إما مطاردة وإما مهددة بالاعتقال في أي لحظة، إضافة إلى فرض غرامات مالية باهظة على المشاركين بالاحتجاجات.
إذا كان من أسس النضال أن يكون واقعيا يضع أهدافًا تتماشى مع المعطيات الراهنة فإنّ حركة جماهيرية تزاوج بين هدف فرض دولة فلسطينية من طرف واحد تنتزع بالنضالات وفق المدرسة البلعينية بعد توسعتها هي برنامج جدير بالنقاش.
ahmad.azem@alghad.jo