بعد أن تواصلت الحملة المسمومة لعدة أيام، وبدت مرشحة للاستمرار أكثر وأوسع وأشد ضراوة، بات من الواضح أن هذه الحملة المتصاعدة من على منابر عدد من المواقع الإخبارية ضد “الغد” هي بمثابة هجمة تخويفية مركزة عن سابق تصور، ليس باتجاه جريدة بعينها فقط، ولا ضد شخص رئيس التحرير أو الناشر وبعض كتابها فحسب، وإنما هي هجمة عريضة ومخططة جيداً، تنطوي على رسائل ترويعية تخاطب أطرافاً وجهات أخرى عديدة، مما بدت معه هذه الجريدة وكأنها صندوق البريد المضمون الوصول.
في مقدمة هؤلاء المخاطبين بهذه الهجمة المصوبة ضد الصحيفة الليبرالية في الأردن، طرفان رئيسان هما: الحكومة ومسؤولوها على مختلف مراتبهم التنفيذية، وقطاع رجال المال والأعمال في مختلف مؤسساتهم الإعلانية، ثم يأتي بعد ذلك إعلاميون ومثقفون ووطنيون ديمقراطيون، يشوّش رؤاهم ويفت في عضدهم ما ينشر في تلك المواقع من أفكار عدمية وآراء بالغة التطرف، يحسب من يطالعه أنه يعيش في بيشاور أو قندهار لا في عمان.
ومع الأسف، فقد نجحت ثقافة التهويل والترغيب والاستقواء والتعريض المعمول بها منذ زمن غير بعيد بإخافة الحكومات المتعاقبة، التي راحت تغض البصر، وتتقي فتح أبواب الشر المشرعة عليها، حتى لا نقول تسترضي هذا الموقع وتستميل ذاك بالتي هي أحسن، فيما حذا رجال الأعمال حذو من هم أشد شكيمة وأوسع نفوذ منهم، فساروا الحيط الحيط، ودفعوا الإتاوات والخاوات صاغرين، واشتروا بذلك أنفسهم ودرؤوا عن شركاتهم كل تشويه محتمل.
في غمرة ذلك كله تقدمت “الغد” تحت وطأة حس رهيف بالمسؤولية المجتمعية، لتقتحم عش الدبابير دفعة واحدة، وتهز ناموس الرهبة المستبدة بالذهنية العامة، آخذة من نفسها قدوة إيجابية مبادرة، وفاتحة صفحاتها لكل من في نفسه بقية من رغبة في المنازلة، لعلها بذلك تسهم في كسر النمط السائد، وتنهي هذا التغول الشائن على الخصوصيات والعموميات، وتضع نقطة كبيرة في نهاية جملة الاستخذاء أمام هذه الظاهرة الممجوجة، وهي مدركة سلفاًُ أنها لا تعمم، وأنها فوق ذلك تحرص على عدم المساس بالحرية الصحافية.
على خلفية هذه المبادرة التي لا سابق لها، من جانب جريدة أو قيادة صحافية تتحسس مسؤولياتها، أهلية كانت أم رسمية، يمكن التقاط مغزى مثل هذه الهجمة المتصاعدة يوماً بعد آخر على “الغد” وفهم هذه الحملة المتمادية لردع من تجرأ على تعليق الجرس، وكسر شوكته جهاراً نهاراً، وسلخ جلده أمام كل من تسول له نفسه المروعة أساساً بالتمرد أو الخروج على قاعدة الخنوع المستقرة، أي أولئك المرهبين الذين اعتادوا الصمت والدفع والخوف من سوء العاقبة.
تصدي هذه الصحيفة التي استأنست لديها شجاعة الموقف، وبادرت من تلقاء نفسها لتصحيح واحد من جوانب الخلل المسكوت عنها، بين بعض المواقع الإلكترونية من جهة وبقية فئات المجتمع وقطاعاته من جهة ثانية، أمر يستدعي بالضرورة الأخلاقية تعاضد كل من لديهم مصلحة، شخصية كانت أم وطنية، وتكاتفهم على نحو واضح لتصحيح اعوجاج كلما طال أمده ازداد انزياحه عن الخط القويم، وصعب إصلاحه فيما بعد.