الإخوان المسلمون وتحولات العمل السياسي
هذه الخدمة تمكنك من تقييم المقالات دون الحاجة للتعليق
وذلك وفقا للتدرج الاتي:
:مقبول
: متوسط
: جيد
:جيد جدا
:ممتاز
X
عندما تشكلت جماعة الإخوان المسلمين في منتصف الأربعينيات كانت مشغولة بالعمل الاجتماعي والوطني العام، ويقوم عليها مجموعة من التجار، ثم تحولت في منتصف الخمسينيات إلى جماعة سياسية فتية غادرها معظم مؤسسيها والجيل المرافق لتشكل تحالفا مع النظام السياسي في مواجهة المد القومي واليساري، ثم تحولت في أوائل السبعينيات إلى حركة جديدة بتركيبة اجتماعية وقيادية شابة وجديدة ومختلفة كليا عما سبق، وذات زخم كبير مستمد من المد الإسلامي الجديد وأفكار سيد قطب المختلفة جذريا مع الفكر الإصلاحي لحسن البنا.
وربما تكون التحولات الكبرى والجذرية القائمة اليوم في البيئة المحيطة بجماعة الإخوان المسلمين مدخلا لتحولات وتحديات كبرى تعيد تعريفها وصياغتها مرة أخرى، فالمشهد الإسلامي والعام اليوم يبدو مختلفا بدرجة كبيرة عما كان عليه حتى أواخر الثمانينيات، ويمكن بسهولة وسرعة عرض مجموعة كبيرة ومعقدة من الظواهر والتحولات والأحداث الكبرى التي تؤثر على نحو مباشر وكبير جدا على مسار الحركة الإسلامية، مثل صعود الجماعات والتيارات السلفية وجماعات العنف والتطرف، وتنامي العمل الإسلامي المجتمعي المستقل عن الحركات الإسلامية، والحوار الغربي مع الحركة الإسلامية واحتمال نشوء تحالف معها، وزيادة تأثير ونفوذ الحركة الإسلامية في الحياة العامة والسياسية.
المستقبل القريب يؤشر على تنامي الاتجاه الإسلامي في الشعوب والمجتمعات إلى درجة تؤكد أن الإسلام هو طابع الحكم والإدارة في العالم العربي والإسلامي، وقد يكون ذلك بالحركات الإسلامية القائمة اليوم أو بدونها، فكيف ستتكيف الحركة الإسلامية سياسيا مع هذه الحالة؟
في عام 1989 وجدت جماعة الإخوان المسلمين في الأردن نفسها في مرحلة بعيدة مختلفة تماما عما سبق، وتقدمت لقيادتها مجموعة قيادية جديدة تطرح أفكارا ومشروعات كبيرة وواسعة تتفق مع انطلاقة العمل السياسي والآمال الواسعة التي تشكلت مع المرحلة الديمقراطية والانتخابات النيابية.
ولكن الحركة الإسلامية برغم ذلك كله لم تشكل نفسها وفق هذه المرحلة، كما تحولت الحركة الإسلامية في السودان على سبيل المثال عام 1985 إلى الجبهة الإسلامية القومية بدلا من الإخوان المسلمين، أو كما أسس التجمع اليمني للإصلاح في اليمن، فلا هي تقدمت إلى الحياة السياسية بالمدخلات الجديدة المتاحة ولا بقيت حركة دعوية اجتماعية كما كانت من قبل، وتنازعتها اتجاهات ومصالح مجموعات ظلت تسيطر على مؤسساتها، وإن خرجت من قيادتها، وتتسلح بالتطرف، وغالبا ما يكون التطرف ملجأ تحتمي به المجموعات والمجتمعات أكثر مما هو مكون بنيوي أصيل.
وقد استجابت الحركة الإسلامية لهذه التحولات الكبرى والتي تغير من علاقاتها ودورها، على نحو عفوي ويومي لا يستحضر الإدراك المسبق والمنظم لهذه الاستجابات وأبعادها ومقتضياتها، وإن كان يتضمن قدراً كبيراً من الاستشعار والتكيف، ولكنها استدرجت إلى حالات ومواقف ملتبسة ومربكة، وبخاصة في حالة العلاقة بين الجماعة وحزب جبهة العمل الإسلامي(أنظر مقال الإخوان وجبهة العمل في الغد بتاريخ 24/6/2006 على الرابط http://alghad.dot.jo/index.php?article=4110) ويجب أن يقال إنها كانت أيضاً أزمة الحكومات والمجتمعات والأحزاب والمؤسسات جميعها، فقد كانت وما زالت في حالة من الحيرة والتيه والارتباك.
وباختصار بسيط، فإن جماعة الإخوان المسلمين بحاجة في هذه المرحلة أن تبحث عن تعريف لنفسها يختلف عما كانت عليه طوال العقود الماضية، وهو تعريف يجب أن يكون مستمداً من رؤية لدورها وما تسعى إليه بالفعل، وقد يكون ذلك في استعادة دورها الاجتماعي الإصلاحي لتقود المجتمعات والطبقات الوسطى نحو إعادة تنظيم نفسها باتجاه مصالحها الجديدة والمهددة، أو تتحول إلى حزب سياسي، وتسعى لتحقيق أغلبية نيابية أو ائتلاف نيابي يشكل الحكومة، أو تنقسم الحركة الإسلامية بالفعل والحقيقة بين الحزب والجماعة، فيمضي الحزب مستقلا بنفسه ساعيا بتشكيل سياسي، وترفع الجماعة يدها عنه وصاية ودعما لتسلك باتجاه يعطيها قدرة على المشاركة الاجتماعية ومصداقية تعيد تجميع المواطنين والمجتمعات بعيدا عن المصالح السياسية.
ibrahim.gharaibeh@alghad.jo