شاعر أردني يرى أن القصيدة ليست منبرا تبشيريا
حاورته: عزيزة علي
عمان- يقول الشاعر عصام السعدي "تعذبني اللغة وأحبها.. إنها أنثى تجعلك تخضع لشرطها أحيانا، وتضيقُ بها، وتتمرد عليها أحيانا، ولكنها لن تمكنك من الدخول اليها ما لم تكن لائقا بها دائما".
ويضيف "عندما أكتب القصيدة الشعرية أذهب إلى صيغة جمالية ما، فأنجح أحيانا، وأفشل أحيانا في خلق مناخ شعري خاص بي".
ويبين أنه كان يكتب الشعر في وقت مبكر ولكن بعد أن احتلت بيروت في 1982 أصيب بصدمة وتوقف عن كتابة الشعر الذي كان يزهو به قبل ذلك.
صدرت للسعدي أخيرا مجموعة بعنوان "يَشْرَقُ بالحنين"، بينما صدرت مجموعته الأولى "لأمي للخيل ولعينيها" منذ فترة طويلة، إلا أنه يعتبر أن مجموعة "يَشْرَقُ بالحنين" اصداره الأول. "الغد" التقت السعدي وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى تجربته الشعرية.
* بداية لماذا تأخرت مجموعتك "يَشْرَقُ بالحنين"، وأنت تكتب الشعر منذ فترة طويلة؟
- بدأت محاولات كتابة الشعر في المرحلة الإعدادية، وكنت مأخوذا بصورة الشاعر، مستعجلا، حالما.. ومزهوا.. وفي العام 1982 سجلت تلك القصائد في مجموعة "لأمي للخيل ولعينيها" ومن حسن حظي أنها لم توزع.
عندما احتلت بيروت في العام 1982، أصابتني صدمة كبيرة، واهتزت ثوابت كثيرة في حياتي، وتخلَّيتُ عن كتابة الشعر لأكثر من عشرة أعوام لم أثبِّت فيها قصيدة واحدة على الورق.. وإن كان شغفي ومتابعتي وقراءتي للشعر وقضاياه لم تنقطع، بل إنني كنت أخونُ نفسي أحيانا وأرتجل شعرا، ثم أقرر التوبة عنه، بنسيانه، غير أن تلك الجمرة بقيت تكويني من وقت لآخر.. فعدت لأكتب، بقصد البقاء ضمن تواصل عضوي مع الشعر، وبقصد اختبار لياقتي الشعرية بعد ذلك الانقطاع الطويل، وليس بقصد النشر.. عدت للكتابة، وأنا أدرك كم هي مهمة صعبة، وشاقة أن ينتمي شخص ما لسلالة الشعر ذات الدم الحار، والأوتار المشدودة، والقلق الدائم، المُعَذِّب، اللذيذ... هربتُ قدر ما استطعت من غواية النشر، مشفقا على نفسي من أن يصبح اسمي مسبوقا بلقب الشاعر الذي قد لا أكون جديرا به، إلى أن ارتكبت فضيحة النشر في مجموعة" يَشْرَقُ بالحنين" وكثيرا ما أظن أنني قد تعجلت.
*قسَّمت مجموعة (يَشْرَقُ بالحنين) إلى أربعة أجزاء أخذت عناوين "ما أخبئُ في دمي"، "في البدء كنتِ هنا"، "ماء يعود إلى التراب"، "ظل من حياة". ترى ما هو السبب؟
- كنتُ أنوءُ تحت ثقل قصائد تكمن في السِّرَّيةِ والعتمة وأريد أن أتخفف منها مرة واحدة بين دفتي كتاب واحد. وعندما نظرت في هذه القصائد وجدتها تتحرك في فضاءات عديدة، فقسَّمتها إلى مجموعات، تضم كل منها قصائد تنتمي إلى فضاء واحد، وتخلَّيت عن قصائد وجدتُ أنها لم تعد تشبهني.. وضعتُ القصائد التي تتحدث عن الذات تحت عنوان "ما أخبئُ في دمي" والقصائد التي تتحدث عن المرأة تحت عنوان "في البدء كنتِ هنا" والقصائد التي تتحدث عن بعض مفردات الكون والحياة والإنسان تحت عنوان "ماءٌ يعودُ إلى التراب" والقصائد التي اختصت بما يمكن تسميته بمرثيات لأشخاص أو مدن تحت عنوان "ظلٌّ من حياة" وصدَّرتُ الديوان بقصيدة قصيرة عن أبي.
* استثمرت في مجموعتك الموروث الديني كما قال بعض النقاد هل هذا حقيقي وما هو حجم هذا الاستثمار؟
- كلمة استثمار تُحيل إلى القصدية، وهو ما لا أفعله عند الكتابة.. ما أفعله أنني أكتب ما في داخلي، فتظهر فيه معارفي ومشاعري وتصوراتي عن الكون والحياة والإنسان، من دون أن أتخذ من القصيدة منبرا تبشيريا، ومن دون أن أجعل منها فرصة للعداوة مع أهم مُكَوِّن ثقافي جماعي في حياة الأمة العربية، وهو دينها.. فالذي يبشِّر، والذي يعادي كليهما سيضطر إلى اللجوء إلى الموروث، هذا لكي يثبت، وذاك لكي ينفي، وهذه ليست منطقة الشعر ابتداء.. وكما أظنُّ فإن ما يظهر من إحالات وظلال مستمدة من الدين، يأتي ضمن شرط القصيدة الفني أولا، وليس عندي عقدة خوف من الدين وما أستمدُّهُ منه، وليسَ عندي عقدة تدفعني للتنصل منه، مهما كان حجمه، ما دام لا يخلُّ بشرط القصيدة. أنا لا استثمر بل أقف بكامل حريتي على هذه الأرض لأنها تشبهني.
* ما هي أهم المنابع التي نهلت منها وأسهمت في تكوينك الأدبي؟
- فتحت عينيَّ على بيت تحتل الكتب فيه مكانة عالية، فقرأت منذ وقت مبكر كثيرا من الشعر الجاهلي وما تلاه من شعر العصرين الأموي والعباسي مفتونا بما حمله هذا الشعر إليَّ من لذةِ لغةٍ كان أبي حريصا على أن يوصلنا إلى نشوتها في وقت مبكر.. غير أن انخراطنا كأسرة في أجواء القضية الفلسطينية، جعل منابعنا الثقافية تنحصر لفترة طويلة فيما سمي بالأدب الملتزم والقراءات السياسية، وكنا ننظر للقراءة خارج هذه الأجواء كنوع من الانشغال بما لا يقربنا إلى فلسطين.. فكان شعر المقاومة قراءة، وحفظا، وترديدا، واحدا من مهماتي اليومية.. فيما بعد وحين اكتشفت أن قليلا من هذا الشعر كان شعرا حقيقيا بدأت أمنهج قراءتي، وأنوعها في الاطلاع على التجارب الشعرية العربية والعالمية، وأعطيتُ اهتماما كبيرا للقراءة خارج منطقة الشعر كالفلسفة والأديان والفكر والفنون الأدبية الأخرى كالرواية والقصة، وكنت لفترة طويلة شغوفا بالسينما، إلى جانب انتباهي المبكر للفن التشكيلي والجماليات البصرية.. غير أن أهم معارفي كما أعتقد جاءت من حركتي في الحياة، حيث عشت تجارب مختلفة ومتنوعة في عدة دول عربية وأتاحت لي دراستي للهندسة وتجربتي النقابية فرصة الارتطام بالحياة، ومكوناتها، كما أن السفر إلى أكثر من أربعين دولة في العالم بما ينطوي عليه ذلك من خبرات واختبارات ساهم كثيرا في تكويني وتقبلي للتنوع والاختلاف مهما كان صادما.. أحاول الآن استدراك كثير من القراءات التي فاتتني، خاصة في الفكر والتاريخ واللغة والميثالوجيا من دون أن أتخلى عن حركتي اليومية في الحياة رغم ما حمتله لي من سوء فهم وخيبات وانكسارات.
* لماذا تخلو قصائدك من المفردات المباشرة؟
- الشعر يتحرك في منطقة الإيحاء، تلك المنطقة المليئة بالظل، والماء، والتي تقي المفردات من أن تجفَّ وتحترق في دلالاتها المباشرة.. لست أدري إلى أي مدى وُفِّقتُ في الابتعاد عن المباشرة باتجاه الاقتراب من الشعرية الكامنة في مفرداتِ وتراكيب لغة عبقرية كالعربية.
* تبدأ مجموعتك بقصيدة "أبي" واللافت هنا هو الحضور الواضح للأب في شعرك؟ ماذا يعني لك الأب..؟
- بدأت مجموعتي بإهدائها إلى أبي، وبقصيدة تحمل هذا العنوان.. أما الإهداء، فهو محاولة للتعبير عن الوفاء لرجل كان سببا في وجودي، ولما شكَّله لي من مثل أعلى، ولما منحني إياه من حرية في الاختيار، دائما، وفي كل شيء.. وأما القصيدة فهي تعبيرٌ شعريٌ عن ذلك.
والحقيقة أن الأب لم يُذكر في المجموعة سوى مرتين، واحدة في قصيدة "ما كنت سرَّ ابي" والثانية في قصيدة "مقاطع من جدل وماء" وهما قصيدتان يحضر الأب فيهما ضمن سؤال الوجود.. ولا أدري إن كان ذلك كافياً لاعتبار هذا الحضور لافتاً. ان يكون لي أب يشعرني بمتعتين واحدة أنني ابن، بكل ما في ذلك من امتيازات... وأخرى أنني يمكن أن أكون أبا مثله، بكل ما في ذلك من فيوضات.
* يحمل شعرك كثيرا من تساؤلات الوجود، ماذا تعني لك هذه التساؤلات؟
- أحاول أن أخلخل نفسي بين فترة وأخرى، فأحُكُّ معدن روحي ما استطعت على حجر الشك.. وأطلق السؤال على مداه.. ولا أغلق بابي على جواب واحد..
هذه الأسئلة اختبارات دائمة للأرض التي أقف عليها لقياس صلابتها وصيانتها من التفسخ بفعل الركود والركون والاعتياد.. ولعل هذا ما يجعلني في صداقة مع من أختلف معهم أكثر من صداقتي مع الذين أتفق معهم. وأسأل نفسي دائما أنا (هنا) أرى المشهد جميلا فلماذا لا أذهب إلى (هناك) لعل المشهد يبدو أكثر جمالا فإن لم يكن كذلك عدتُ إلى (هنا) بشوق المختار العارف لجوانب المشهد كله.
* لماذا أنت مشغول بالبداية والنهاية والكون؟
- الحياة تحدث بين قوسيّ البداية والنهاية.. البداية تشغلني لأنها كانت من دون إرادة مني فأنا منشغل بمراجعتها دائما لاستشراف أي النهايات سأصل انطلاقا منها في محاولة ليكون لي إرادة في النهايات إن استطعت، هذا الانشغال هو ما ينتج حياة.. من دون الانشغال بالبداية والنهاية تكون المسافة المُنْتِجَةُ بينهما قصيرة وبلا معنى مهما طال زمنها.
وأعي من نفسي بمقدار ما أعي من الكون، وأعي منه بمقدار ما أعي من نفسي. انشغالي به هو انشغال الحفر في الذات، مهما بدا هذا الانشغال خارجها.. والتفرُّسُ في الكون كالنظر في مرآة نفسك.
* تحضر المرأة في قصائدك كقيمة عليا وككائن حِسِّي، كيف توفِّقُ بين هاتين النظرتين للمرأة؟
الجمال بكل صفاته وتأويلاته مجتمع في المرأة، فقد حملت صفات الخير جميعها من حب وحنان وأمومة وصبر وعطاء وخصب وغيرها، وهي صفات وقيم عليا لا تجتمع إلا في المرأة، مما جعلها تتبوأُ مكانة مقدسة في التاريخ البشري، وحملت المرأة كل صفات الجمال الحِسِّي، مما جعلها موضع اشتياقات الرجل الحِسِّية.. إنها كائن علوي غير أنها تحب أن نتحسس صلصالها الأرضي، هكذا أراها بصرف النظر عما تشغله في الحياة من دورِ أمٍّ أو أختٍ أو بنتٍ أو حبيبةٍ... وأذهب إليها، أو أكتب عنها لأغتسل عندها بها ولها من شروري وبشاعتي.. كانت المرأة في حياتي دائما جوابا مستقراً، ولم أستطع تحويلها إلى سؤال خوفا من خسارة يقيني بها، إنها تلك القصيدة التي لا أستطيع الشجار معها.. لأنني سأكون جاهزا لتربح هي فلا أخسر أنا.. للمرأة أن تضحك لأطير، وأن تلمسني لأتحقق، وأن تبكي لأفقد توازني، حدث هذا منذ أمي وإلى اليوم.