قمة بلا أمل .. وتعليم بلا مستقبل

نضال منصور

في الأردن لم أسمع اهتماماً بعقد مؤتمر القمة العربية في نواكشوط بموريتانيا، ولم تخصص الصحف ووسائل الإعلام صفحات وتغطيات خاصة للقمة، كأن ما يجري البداية لمراسيم إعلان وفاة القمة العربية الميتة أساساً منذ زمن بعيد.
لم يحضر سوى عدد محدود من الزعماء العرب للقمة، والبقية غابت لثقتها أن لا أمل في قمة الأمل، أو بسبب الواقع الصعب الذي تعيشه دولهم، وبعضهم ترفع عن المشاركة في قمة تعقد في موريتانيا ولا تليق بمقامه الرفيع، ولا توجد فنادق فخمة في هذا البلد الفقير تتناسب مع احتياجاته لينام ليلة واحدة.
اختصرت القمة ولأول مرة ليوم واحد ولفترة لا تتجاوز 6 ساعات، وكالعادة صدر بيان معلب يتحدث عن مآسي العرب من فلسطين مروراً بسورية وليبيا واليمن.
زمان كنا ننتظر القمة بفارغ الصبر، كانت قضية فلسطين لا ينازعها شيء، أما اليوم فإن كل ملفات الحروب الأهلية والطائفية تتقدم عليها، والمستفيد الأول إسرائيل.
زمان كنا ننتظر "نهفات" الزعيم القذافي ومفاجآت ياسر عرفات وقصص حسني مبارك، واليوم فإن بعض الزعماء الذين حضروا القمة يبحثون عن شرعية لوجودهم، فالرئيس السوداني البشير مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، وممثل الدولة الليبية هناك من يضع فيتو على شرعيته، والرئيس اليمني يقيم في السعودية وعاصمته صنعاء يسيطر عليها الحوثيون وجماعة صالح، ولبنان لا رئيس لها منذ أكثر من سنتين، وسورية لا ممثل لها في القمة العربية، وهكذا قصص وحكايات تثير الحزن والضحك في آن واحد معاً.
                                ***
انتهى التوجيهي في الأردن، وهو علامة فارقة عن كل دول العالم، حيث تعلن حالة الطوارئ ومنع التجول في البيوت التي يوجد بها من سيتقدمون لامتحان الثانوية العامة، ويبقى الأهل في حالة توتر وترقب إلى أن تظهر النتائج وبعدها تبدأ رحلة البحث عن مقعد جامعي.
ربما تكون هذه الحالة مرجعها الهوس في التعليم الأكاديمي عند الأردنيين أكثر من غيرهم، ولكنها حالة استثنائية تحتاج دراسة.
نجح نائب رئيس الوزراء وزير التربية والتعليم محمد الذنيبات في ضبط امتحان التوجيهي خلال الثلاث سنوات الماضية، وأوقف مظاهر الغش العلني وما كان يرافقها من تنمر على سلطة الدولة، وأعاد الاعتبار والهيبة بشكل أفضل للمؤسسات التعليمية، وكل هذا جهد مشكور لا يمكن التقليل من أهميته، لكن ماذا عن نوعية وجودة التعليم، ماذا تغير على الطلبة الذين يعيشون عصر تدفق المعلومات والسرعة المذهلة في تكنولوجيا الاتصال؟
من الطبيعي أن نصعق حين نكتشف أن هناك طلبة وصلوا للتوجيهي بالكاد يعرفون القراءة والكتابة، غير أن الكارثة الأكبر وغير المنظورة هي كم نسبة من يملكون مهارات التفكير النقدي، أو إجراء بحث بسيط يناقش قضية إشكالية، وهذا يعني بشكل أو آخر كم عدد الذين يملكون مهارات إبداعية تتجاوز النصوص التي تقدم لهم في الكتب؟!
لن أناقش النصوص الموجودة في الكتب والتي ماتزال تعيد إنتاج الصورة النمطية للمرأة باعتبارها ربة منزل ناجحة تعد الطعام بشكل جيد، ودروس التاريخ والجغرافيا والدين ومواد أخرى تنتج فكراً نمطياً مغلقاً ومتطرفاً ولا يقبل الآخر، وكذلك مناهج لا تعايش عصرها والتطورات الذي تشهده، وإنما أسأل لو طلبتنا ذهبوا الى بريطانيا ليكملوا تعليمهم الى أي مدى سيواجهون صعوبات وتحديات التفكير والبحث، هذا عدا عن مشكلة ضعف التحصيل اللغوي عند الغالبية؟
إذا كان وزير التربية والتعليم جاد في أن يترك بصمة تسجل له فإن الأولوية الآن مراجعة المناهج وطريقة التعليم التي لا تتقن سوى التلقين والحفظ، وهذا يتطلب إعادة تأهيل للمعلمين والمعلمات وهي معركة طويلة جداً، وسيواجه بقوى تقليدية محافظة تتحرك لإحباطه ومنعه وإفشاله، وأيضاً نحتاج الى موارد مالية والى تحسين مستوى مهنة التعليم وسلم الرواتب بها.
وإذا كنا نريد أن ننقذ الشباب والشابات من شبح البطالة فلا خيار سوى اللجوء للتعليم المهني والتقني لسد حاجات السوق من المهن، فـ "معلم" أدوات صحية محترف أفضل مليون مرة من مهندس لا يعمل ويجلس على المقهى.
لن ينهض الأردن ويتقدم إذا لم تتغير مفاهيم وقيم التعليم من رياض الأطفال وحتى التوجيهي والجامعات والدراسات العليا، فنحن ربما تكون لدينا أعلى الأرقام عالمياً في الالتحاق بالمدارس والجامعات، وهؤلاء كلهم يحملون شهادات تعليم، ولكنى أجزم أن كثيرا منهم يعاني الأمية وبعضهم معلمون في المدارس والجامعات!

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018