فلسطين: "صرخة الحرية"..!

علاء الدين أبو زينة

بعد التطورات الأخيرة في السياسة الخارجية الأميركية تجاه القضية الفلسطينية في عهد ترامب، أصبح الكثيرون ينبذون ما تبقى من أوهام حول "حل الدولتين". وحتى مع أن خط السياسة الرسمية الأميركية دعم حل الدولتين خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، فإن الولايات المتحدة لم تفعل أي شيء حقيقي لجعل ذلك الحل واقعاً. وفي كل هذه الفترة، تغاضت الإدارات الأميركية المتعاقبة عن التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية وتغيير "الواقع على الأرض" بحيث تستحيل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، ولم تمارس أي ضغوطات حقيقية على حكومة الكيان ومواطنيه للقبول بهذا الحل.
الآن بعد موقف واشنطن الأخير الواضح من حل الدولتين، أصبح الكثير من المراقبين يستعيدون فكرة "الدولة الواحدة ثنائية القومية". وليست فكرة الدولة الواحدة ما بعد الكولنيالية جديدة، وقد تحدث عنها مجموعة من كبار المنظرين من الفلسطينيين والكيان، وعلى رأسهم إدوارد سعيد وإيلان بابي. لكن ما دعا إليه فلسطينيون و"إسرائيليون" يساريون ودنيويون لا يشبه مخطط اليمين الديني المتطرف في دولة الكيان. فقد تحدث العلمانيون عن دولة لادينية، يتمتع فيها كل المواطنين من أي دين بحقوق متساوية، بينما يتصور المتدينون دولة بنظامين، واحد ديمقراطي لليهود، وواحد عنصري لأهل البلد الأصليين.
أياً يكن شكل "الدولة الواحدة"، فإن وجهات كيان الاحتلال في العقود الأخيرة كانت تذهب عملياً نحوها، على أساس أن إفلات الاحتلال بجرائمه وتحرره من الضغط العملي يتيح له ضم الأراضي الفلسطينية وتعميق الاستيطان بلا كلفة تقريباً. ويتغاضى هذا التوجه الذي يقوده اليمين المتطرف في مقابل اليسار الضعيف عن تحذيرات أنصار "إسرائيل" المتحمسين الذين يرون في حل الدولة الواحدة خطراً من جهتين. أولاً، إذا كانت الدولة ديمقراطية لكل مواطنيها فإن الاتجاهات الديمغرافية ستعدم فكرة "يهودية" الدولة ونقائها العرقي. ثانياً، إذا كانت دولة "فصل عنصري" كما هو حالها على الأغلب، فسوف تصبح بوضوح كياناً مارقاً مكروهاً على المستوى الدولي.
إذا صدقت الرؤى التي ترى حل الدولتين قد دُفن بعد الاحتضار الطويل، فإن الذي يحدث الآن هو انتهاء حقبة أخرى في النضال الوطني الفلسطيني وبدء أخرى. ويمكن عنونة المرحلة الجديدة بأنها مرحلة النضال الشعبي السلمي داخل دولة أبارتهيد. وهو نوعٌ مختلف عما عهده الفلسطينيون، ولا يقل صعوبة وقسوة، لكنّ فيه سابقة حيّة يمكن البناء عليها واستلهامها، هي تجربة نضال الأفارقة الجنوبيين ضد نظام بريتوريا العنصري.
لسبب ما، كان هذا التصور لمصائر النضال الفلسطيني الصعب والمؤلم يتداعى إلى الذهن مع مشاهدة فيلم "صرخة الحرية" Cry Freedom الذي يحكي قصة المناضل الجنوب أفريقي، ستيف بيكو، ضد نظام الفصل العنصري في السبعينيات. وكانت فكرة بيكو أن العنف لا يمكن أن يحل المشكلة بين أهل البلد الأصليين وبين المستعمرين الذين أصبحوا مواطنين بحكم الأمر الواقع. لكن دعوة بيكو إلى التعايش لم تجنبه بطش مؤسسة الحكم العنصرية الوحشية التي تعتبر السود أقل من بشر. وينتهي المطاف بستيف بيكو إلى الموت في السجن بسبب الضرب والتعذيب. لكن قصته تلهم مواطنيه الذين يستمرون في النضال حتى إنهاء الحكم العنصري وتحقيق المواطنة.
إذا كان الفلسطينيون سيُدفعون أخيراً إلى هذا الخيار، فإنه سيحتاج حتماً إلى نوع مختلف من القادة الذين يقبلون بأن يكون امتيازهم الوحيد هو انحيازهم لقضيتهم الوطنية والإنسانية. وسيكون المتطلب الجديد للقادة هو القدرة على النضال ضد النظام الاستعماري العنصري في الداخل والإبداع في فضحه في الخارج. وسيكون قدَر هؤلاء القادة غالباً هو المطاردة والسجن وربما الاغتيال. ويُفترض أن يكون برنامجهم قائماً على أساس تحصيل المواطنة المتساوية للفلسطينيين في الداخل المحتل وحق المواطنة للفلسطينيين المشردين في الخارج أيضاً، على أساس تحول قانون العودة اليهودي ليشمل كل أبناء البلد الأصليين من غير اليهود.
مهما تكن المعتقدات والتصورات عن مسارات القضية الفلسطينية، فإن من المعقول البدء بالتفكير جدياً في هذا الخيار وكيفيات التعامل معه إذا كان لا بد منه. وإذا كان التاريخ يعرض مثلاً، فإن قصة "صرخة الحرية" تبيِّن الثمن الباهظ من الدم والتضحيات التي يقتضيها النضال الشعبي السلمي ضد نظام وحشي عنصري قاتل. لكنَّ الفلسطينيين بلا خيار سوى استمرار المقاومة وهتاف "الحرية"، كمرادفين للوجود.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018