الهدف الأميركي الجديد مع الفلسطينيين

د.أحمد جميل عزم



تتفق المؤشرات والأنباء أنّ الوفد الأميركي الذي زار المنطقة العربية لمناقشة "عملية السلام" حقق عملياً الهدف الأساسي الذي يريده. لقد تغير الهدف الأميركي التقليدي في "عملية السلام" من استمرار المفاوضات الثنائية الفلسطينية – الإسرائيلية بغض النظر عن نتائجها إلى هدف جديد هو أن لا يذهب الفلسطينيون لعملية أخرى من أي نوع، حتى لو كانت سياسية وبطيئة ودبلوماسية جداً.
كان التشاؤم يلف التصريحات الفلسطينية، قبيل زيارة الوفد الذي قاده صهر الرئيس الأميركي، جارد كوشنير، واستخدم الناطق الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبو ردينة، عبارة "زيارة مفصلية"، على اعتبار أنّها ستكون المناسبة التي يقدم فيها الأميركيون إجابات بشأن الأسئلة الفلسطينية الكثيرة، بخصوص المستوطنات وإطلاق عملية تفاوضية بمرجعية واضحة، وإلا سيتحرك الفلسطينيون بعيداً عن الأميركيين.
شملت الزيارة السعودية، وقطر، والإمارات، ومصر، والأردن، وفلسطين، والإسرائيليين، ما أوحى بأنّها زيارة مختلفة، خصوصا أنّه لم تجرِ الإشارة إلى وجود قضايا أخرى ستناقش، سوى الموضوع الفلسطيني (بما في ذلك الخلاف الخليجي – القطري الذي لم يُشر إليه)، واللافت أيضاً أن القليل قد قيل على هامش الزيارة بشأن "الحل الإقليمي" والتعاون الإسرائيلي الخليجي المزعوم من الإسرائيليين، رغم أن شمول الزيارة لدول الخليج يغري بذكر الأمر. ثم ما زاد من التكهنات الاتصالات المتكررة بين الأطراف العربية والقيادة الفلسطينية، خصوصاً اتصالات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ووزير خارجية السعودية أيضاً عادل الجبير.
أنكر البيت الأبيض ما تناولته وسائل إعلام عربية أنّ كوشنير صرّح أنّه لا يمكن وقف الاستيطان لأنّ هذا يؤدي لسقوط حكومة بنيامين نتنياهو، ولكن الأكيد أنّه لا يوجد، أو لم تنضج أي أفكار من أي نوع لإعلانها سواء على مستوى ثنائي إسرائيلي فلسطيني، أو بشأن إطار إقليمي للحل، أو لأي تعاون مؤسسي ورسمي أو أي تفاوض إقليمي فيه الإسرائيليون والعرب.
لخصت "نيويورك تايمز" نتائج هذه الجولة المتعددة المحطات، بأنها "موافقة الفلسطينيين على عدم مغادرة العملية السياسية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية". ويمكن الإضافة لهذا أنّ الوفد الأميركي أسعده تعبيرات القادة الفلسطينيين والعرب أنّهم يثقون أو يقرون بوجود جدية أو اهتمام من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحقيق تسوية. أي لم يعلنوا غضباً من حالة الجمود الراهنة.
كان الفلسطينيون يحذرون، ويسربون أنباء عن استعداداتهم لاستخدام مناسبة الجمعية العامة للأمم المتحدة، الشهر المقبل لإعادة إطلاق مسار دولي جديد، رداً على عدم الجدية الأميركية، وعدم التقدم بأي شيء مما وعد به الأميركيون، ورداً على عدم الوضوح الأميركي بشأن حل الدولتين، والعملية السياسية، ووقف الاستيطان. وبحسب الحصيلة الراهنة لزيارة الوفد يبدو أنّ الميل الفلسطيني هو لتغيير التوجه الذي كان موضع نقاش لإطلاقه في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنح الأميركيين فرصة جديدة، تعني ضمنياً، ما لا يقل عن عام كامل من التأجيل، فالأسلوب الفلسطيني بات يعتمد على اجتماعات الجمعية العامة في أيلول (سبتمبر) من كل عام لتحديد وجهة القيادة الفلسطينية الدبلوماسية.
بحسب مجريات الزيارة والتصريحات المختلفة يمكن القول إنّ الفلسطينيين سيؤجلون أي تحرك دولي، ويجددون مرحلة الانتظار، مقابل وعود عربية ضمنية أو صريحة، بأنّ شيئا سيتغير، وأنّهم سيتابعون الاتصال مع الأميركيين.
استقر في فهم المراقبين لسنوات طويلة الآن أن الطرف الأميركي حريص قدر الإمكان على عملية سياسية تفاوضية فلسطينية – إسرائيلية، بغض النظر عن نتائجها. لدرجة انّه أصبح شائعاً القول إنّ الأميركيين يريدون "عملية" سلام، بغض النظر عن تحقق السلام، وهدف ذلك تقليل التوتر في المنطقة وعدم إعاقة ملفات إقليمية أخرى في المنطقة، إذا ما توتر الوضع الفلسطيني – الإسرائيلي. والآن يبدو أنّ هناك تغييرا في الأمر، فلم يعد مهماً أن يكون هناك عملية إسرائيلية فلسطينية، والمهم ألا يكون هناك أي عملية أخرى يقوم عليها الفلسطينيون، حتى لو كانت مجرد اللجوء للأمم المتحدة واستصدار قرارات ومواقف يصعب تجسيدها على الأرض.
أجّل الفلسطينييون "إعادة تدويل الصراع" بناء على وعود فرنسية لمدة عامين، والآن يبدو أنّ هناك تأجيلا لأول عامين على الأقل من عهد دونالد ترامب، مع عدم المضي في خيارات أخرى سوى التفاوض.  

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018