الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف ( 11 - 11)

حسني عايش

ماذا تفعل لتصبح موهوبا/ عبقريا؟ بينت البحوث العلمية التي استقينا منها هذا الكلام أن سيطرة الإنسان على الجينات أكبر من سيطرته على البيئة بعد أن كنا نعتقد العكس.
يدرك القارئ المتابع لهذا السلسلة أن كلامنا عن الموهبة أو العبقرية ليس بالمعنى التقليدي، وليس دليلا لك لتصبح شكسبيرا أو مايكل جوردان أو آنيشتن. إنه في الحقيقة نداء بسيط لجميع الذين يسعون للعظمة أو التفوق في أي ميدان ولأي مستوى.
بعد عالم انغمس في اكتشاف الموهبة أو العبقرية أو القدرات الفطرية عند الأطفال أو التلاميذ، دار الدليل دورة كاملة ومنعشة بعيدا عن فطرية الموهبة والعبقرية والقدرات، ونقلنا إلى فكرة أو نظرية قابلية الموارد الذاتية تلك للتنمية والتفوق.
وهكذا نستطيع الآن النظر بإعجاب إلى إنجازات أعظم العظماء مثل شكسبير، أو أبي الطيب المتبني، أو أبي العلاء المعري، أو طه حسين، أو آنيشتن، أو مايكل أنجلو أو موزارت... بدون الوقوع في فخ التفريق الزائف بين العاديين بالفطرة وبين العظماء بالفطرة. فالبحوث والعلوم الجديدة ذات العلاقة تبين كيف يمكن للناس العاديين أن يصبحوا استثنائيين أو خارقين. إنها تميط اللثام عن مغالطة (فطرية) الموهبة أو العبقرية، وتعرّي القصص الطويلة التي تجعلها حية، بعدما تبين أن التعبير عن الجينات وتوجيهها يعتمد على البيئة. لا يعني هذا ان كل شخص يملك الموارد والأدوات نفسها في أي سن من عمره لاجتراح المعجزات، لأنه توجد عوامل عدة تحدد نموك وتفوقك مثل تعرض مبكر غير ملائم للموسيقى – مثلا- أو لنمو دماغي كامد، أو لمواقف أسرية أو رفاقية مثبطة، أو لتعليم موسيقى ضعيف، أو لقلة وقت التدريب والتمرين، أو لعادات إنصات سيئة، أو لعدم وجود مرشد (Mentor) وهكذا. إن تحررنا من النظام الجيني لا يجعلنا متساوين أو أحرارا بالفعل لأن البيئة قد تفسد هذه المساواة أو تعطل الحرية.
لتبلغ القمة فإن المطلوب منك ما يلي:
• تحلى بدافعية قوية أو استثنائية نحو التفوق أو الإنجاز وبإيمان بقدراتك.
• كن أشد منتقدي نفسك وتذكر كلمات نتيشة المدوية: إن جميع المفكرين والفنانين عُمّال دؤوبون لا يكلون، ليس في الإبداع والاختراع والاكتشاف فقط، بل بالرفض والتنخيل أو التحويل أو التنظيم.
• إحذر الجانب المظلم أي المرارة واللوم: يجب على أصحاب الطموح تحويل كل فشل إلى فرصة، وإلا كانت الهزيمة هي النتيجة. لعل أسوأ أشكال المرارة واللوم أو أكثرها انتشارا لوم بيولوجتيك وهو اعتقادك بامتلاك جينات دون المستوى، فربما كان ذلك أكبر عقبة في طريق النجاح.
• اعرف حدودك ثم تجاهلها: قد تكون المسافة بين قدرتك الراهنة وقدرتك المرغوب فيها ضخمة لدرجة تجعل تحقيق هدفك يظهر لك أو لمن حولك وكأنه غير ممكن، فكيف تتوقع أن تكون عظيما! تلكم هي المسألة. لكن العظمة ليست مجرد هوة بينها وبين الحالة العادية، وإنما تصعيد لها. ويتم على شكل خطوة خطوة وتجاوزها بالخطوة التالية، فبذلك تغلق الهوة أو المسافة بين ما أنت عليه وما تتطلع إليه. إن الطريقة الوحيدة للوصول إلى القمة هو مواصلة السير ابعد وأبعد من أي شخص آخر وإن عليك أن تجعل رأسك في السحاب، وتخيل مالا يُتخيّل.. لا سنَّ مستحيلا، فالحكمة التي ترافق العمر مورد ويمكن أن يأتي بأية طريق أخرى. وأعلم أن الوقت مدخل حاسم في التميز.
• أخّر الرضا أو الإشباع إلى أن تصل. تخلص من أسر الثقافة الاستهلاكية القائمة على الفورية والسرعة في الإشباع.
• ليكن لديك أبطال: الأبطال يوحون ليس فقط بعملهم العظيم، بل بتواضع بداياتهم أيضا، فآنيشتين كان كاتبا في قسم حقوق الملكية أو براءات الاختراع، وأديسون طرد من الصف الأول الابتدائي لأن معلمه ظنه معوقا، وداروين كان "يتبهدل" كل يوم من أبيه: أنت لا تصلح لشيء.
• جد مرشدا (Mentor): الإنسان المحظوظ هو من يجد معلما عظيما يوحي وينصح وينتقد ويؤمن بقدرة الطفل على التفوق الإستثنائي.
• إن الطريق الحقيقي للنجاح لا ينبع من بنية جزئيات أو خلايا المرء، وإنما من تنمية الاتجاهات الأعظم إنتاجا في الحياة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018