الصراع العربي الصهيوأميركي

سائد كراجة

اصطفاف أميركا مع إسرائيل لم يبدأ بقانون نقل السفارة الصادر عام 1995، وهو قانون صدر بأغلبية عارمة عن الحزبين الأميركيين الجمهوري والديمقراطي، ومنذ ذلك العام أجل عشرون رئيساً أميركياً تنفيذ هذا القرار لسببين رئيسين: مراعاة المصالح الأميركية وأمن المواطنين الأميركيين في المنطقة، والسبب الثاني أن تنفيذ قرار نقل السفارة لايخدم عملية السلام.
إذاً، ماذا حصل لينقلب ترامب على التوجه الثابت للسياسة الأميركية الخارجية بخصوص الشرق الأوسط منذ العام 1995؟
من غير الواقعي أن نعزو هذا الانقلاب للتيار الديني المتصهين في الإدارة الأميركية، فهو ليس تياراً جديدا،ً وهو المسؤول عن أكثر من ثلاثين فيتو ضد قرارات مجلس الأمن المنتصرة لفلسطين وآخرها الفيتو الأميركي أمس في مواجهة أربع عشرة دولة تطالب بإلغاء قرار ترامب لنقل السفارة، ومن غير الكافي أن نفسر سبب ذلك بانهيار دول مهمة في العالم العربي مثل العراق وسورية واليمن وليبيا- على الرغم من رجاحة هذا السبب - ذلك أن الدول العربية منذ تأسيسها لم تكن نداً في معادلة الصراع مع دولة الكيان الصهيوني، وكانت منصاعة لسياسة أميركا التي كانت حامية لأغلب الدول العربية.
ما حصل في تصوري، هو أن خطة اسرائيل الصهيونية - التي تقوم على عنصري سلب الأرض وطرد الشعب- قد نضجت، وتمثلت مراحل النضوج إلى جانب هزيمتين ونصف هزيمة للجيوش العربية في الأعوام 1948 و1967 وحرب العام 1973، في المحطات التالية:
1 - مؤتمر الرباط الذي سحب السيادة الأردنية عن الضفة الغربية، وحولها إلى أرض متنازع عليها "النزاع الضمني بين إسرائيل والأردن ومنظمة التحرير"  بدلاً من اعتبارها أرضاً محتلة، وبالتالي سُحبت حماية القانون الدولي عنها بوصفها محتلة، حيث يمنع القانون الدولي تغيير معالم الأرض المحتلة الجغرافية والسكانية، ويعتبر هذا التحول هو أهم  "خازوق" دبره كسينجر للعالم العربي عموماً وللأردن خصوصاً حسب وصف المفكر السياسي عدنان أبو عودة.
2 - تحويل القضية الفلسطينية من قضية عربية عالمية تمثل ضمير العالم الحر إلى قضية فلسطينية بدعوى الحفاظ على التمثيل والهوية الفلسطينية، وما ترتب على ذلك من استغلال لمنظمة التحرير الفلسطينية لتعزل القضية وتحولها إلى قضية "شعب شقيق"، تضيق الدول العربية بها ذرعاً، وتسعى لحلها بأي ثمن وبهذا استُخدمت المنظمة لتكون أول الموقعين لا بل المفرطين في اوسلو.
3 - أحداث سبتمبر وهجوم القاعدة على أميركا الذي أجج الشعور الديني ضد الإسلام السياسي مما ساعد مراكز القوى الدينية الصهيونية في أميركا لتقديم اسرائيل كحليف كامل غير مستتر، يضاف إلى ذلك فوز ترامب كزعيم " ليس له كبير"، شخص يعيش على الصراع، رئيس خارج منظومة المَرجعية الحزبية أو الشعبية لا يأبه لا للصحافة ولا للكونجرس ولا للشعب، وليس لديه رؤية استراتيجية وكأنه يقود أميركا يوما بيوم، ويحتقر العرب ويكره الإسلام.
ما أريد قوله أن انقلاب الإدارة الأميركية إنما هو نتائج لمقدمات تنضج منذ مدة، ولهذا فإن التصدي لها يحتاج إلى عمل مركب وأكثر تعقيداً وتنظيما من التحرك العربي الشعبي العفوي على أهميته.
ماذا نفعل؟!: أعتقد أنه على المستوى البعيد نحتاج لخطة استراتيجية شاملة تعيد القضية الفلسطينية باعتبارها قضية نهوض عربي شامل للوطن العربي، تقوم سياسياً على ترسيخ الديمقراطية الفعلية، واقتصادياً على الاكتفاء الذاتي، وحضارياً على إشاعة العقل والعلم والحريات الفردية، أما على المستوى القصير فنحتاج إلى موقف فلسطيني راديكالي يبدأ من وقف التنسيق الأمني، وتنفيذ المصالحة مع حماس فوراً، والانسحاب من أوسلو، والتهديد بحل السلطة الفلسطينية.
على صعيد الدول العربية نحتاج إلى تدعيم الدبلوماسية العربية لرفض القرار، والتراجع عن حل الدولتين والانسحاب من المبادرة العربية إما جماعياً أو فردياً وتوسيع قاعدة التحالفات مع الصين وأوروبا ودول العالم الإسلامي، وقطعاً استمرار الاحتجاج الشعبي ومأسسته كضرورة، ليس لقدرته على تغيير الموقف الأميركي بل لمنع استمرار تردي مواقف الدول العربية.
الملك عبدالله الثاني يقود معركة تاريخية للدفاع عن القدس باعتبارها رمزا للحق العربي في فلسطين ورغم قلة الأدوات والموارد فإنه يقود المعركة ببسالة الجندي ومسؤولية القائد.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018