التنظيمات السلفية في غزة وتهديد حماس

هآرتس

تسفي بارئيل 12/1/2018

فيلم فيديو قصير يثير القشعريرة نشر يوم الأربعاء الماضي، من قبل فرع داعش في سيناء (ولاية سيناء) يظهر تنفيذ عملية اعدام قصيرة وباردة لأحد نشطاء حماس، هو موسى أبو الزمط. في الفيلم القصير يظهر عدد من نشطاء داعش، من بينهم القاضي كاظم المقدسي، الذي حكم بأن الزمط متهم بنقل السلاح "لتنظيم الكفار" حماس. منفذ الإعدام هو محمد الدجني، ابن أحد كبار قادة حماس، أنور الدجني، المسؤول عن علاج الجرحى في غزة، والمقرب من القيادة العليا في المنظمة.
حماس لم ترد على الحادثة، لكن عائلة الدجني نشرت بيانا اعلنت فيه أنها "تتبرأ من الأعمال المخالفة للشريعة الإسلامية، ومن باقي الأعمال التي لا تتوافق مع ديننا المتسامح مع قيم شعبه". يمكن الآن توقع عملية رد من قبل حماس، وعملية تأتي في اعقابها من قبل التنظيمات السلفية، لقد مرت التنظيمات الراديكالية في غزة طريقا طويلا، منذ سيطرت حماس على القطاع في 2007 وحتى حرب تصفية الحسابات التي تديرها التنظيمات فيما بينها.
المفهوم الإسرائيلي المعتاد "تنظيمات مارقة"، الذي يعرف هذه التنظيمات والتي سميت ذات مرة "داعش في سيناء"، و"تنظيمات سلفية"، موجه في الأساس إلى أربعة أجسام كبيرة لا تنتمي جميعها لـ"داعش". هذا مفهوم مخادع لأنه يبرهن أن إسرائيل ترى في حماس حكم ممثل، سواء من ناحية مسؤوليتها عن الامن في غزة والحفاظ على اتفاقات وقف اطلاق النار، أو كجسم مسؤول عن الإدارة اليومية للشؤون المدنية. هكذا، فإن كل من لا يخضع لحماس فإنه ليس فقط "مارق" ومتمرد على السلطة الحاكمة في غزة، بل أيضا يعطي لحماس مكانة مفضلة وتقريبا شرعية.
هذه التنظيمات الراديكالية ليست متشابهة، وحتى قبل أن يعلن بعضها الولاء لزعيم داعش، أبو بكر البغدادي، في 2014، ساد فيما بينها توتر أدى إلى مواجهة عنيفة. بداية طريقها في غزة في السبعينيات يمكن أن نعزوه إلى عودة طلاب فلسطينيين من السعودية، حيث تلقوا فيها تعليما وتوجيها دينيا من فقهاء شريعة متطرفين شجعوهم على الانضمام إلى التيار السلفي.
التيار السلفي ينقسم إلى ثلاثة اقسام فرعية، الاول ينشغل في الأساس في البحث والتعليم بهدف أن يفهم ويكتشف "الإيمان الحقيقي" والعيش كما كانت الحال في فترة الآباء المؤسسين للإسلام. هذا التيار يبتعد عن العمل السياسي أو العسكري وحتى أنه يدين فقهاء الشريعة الذين يعملون في هذه الساحات. من هنا أيضا يأتي العداء الديني الشديد بين التيار السلفي التطهيري وبين حركات إسلامية سياسية مثل الإخوان المسلمين وأحفادهم السياسيين، مثل حماس في قطاع غزة أو حركة النهضة في تونس.
التيار الثاني مستعد لتبني العمل السياسي إلى جانب التفقّه في الدين من خلال الوعي بقوة المشاركة السياسية لتحقيق فكرة دولة الشريعة. نشطاء هذا التيار يقيمون أحزابا مثل الأحزاب السلفية في مصر التي تحظى بتعاون مع النظام المصري كجزء من نضال السلطة ضد الإخوان المسلمين. التيار الثالث هو التيار الذي يسمى "السلفية الجهادية"، وهو يرفض التعاون السياسي مع الأنظمة القائمة في الدول العربية، وهدفه هو اسقاطها. وخلافا لتنظيمات الدعوة يرى امامه حلم الثورة الاسلامية التي تحدث من الاعلى بعد تصفية "الانظمة الكافرة".
ولكن أيضا التيار السلفي الجهادي يجد صعوبة في الحفاظ على وحدة تنظيمية وايديولوجية. جزء منه انضم لداعش وجزء للقاعدة وآخرون يعملون بصورة مستقلة. هؤلاء هم تنظيمات صغيرة التي رغم الضجة الكبيرة التي تفعلها احيانا، إلا أنهم لا ينجحون في ايجاد مكانة مهمة لهم في اوساط السكان الفلسطينيين في قطاع غزة. حتى قبل سيطرة حماس على غزة فقد شنت التنظيمات السلفية نقدا لاذعا لحماس على مشاركتها في الانتخابات في العام 2006، وحاولوا الإثبات للجمهور بأن حماس هي تنظيم لا يختلف عن فتح، سواء من الناحية السياسية أو الدينية. خطاب كهذا وضعهم بصورة طبيعية على مسار التصادم مع حماس، التي في هجمات وحشية على مساجدهم في 2007 و2009 ضعضعت قاعدة نشاطهم الجماهيري.
الفشل الأهم لهذه التنظيمات يكمن في الانقسام فيما بينها، وعدم قدرتها على الاتفاق وحتى على قيادة دينية مشتركة، رغم حقيقة أن الفوارق الدينية بينها صغيرة. يبدو أن سبب ذلك يكمن في شخصية زعماء هذه التنظيمات، وفي الخلفية المختلفة لهم وفي طموحاتهم الشخصية. ونتيجة ذلك، رغم السعي خلف مجندين جدد، لا يوجد أي تنظيم جهادي فوق قومي، مثل القاعدة أو داعش، لم يعترف بشكل علني بأي تنظيم من هذه التنظيمات السلفية العاملة في غزة. أيضا عندما تصادمت هذه التنظيمات مع حماس امتنعت قيادة القاعدة عن مهاجمة حماس أو منح رعايتها لهذه التنظيمات السلفية.
القاعدة وداعش يتنافسان على كسب ود التنظيمات في سيناء. هذا على خلفية هزيمة داعش في العراق وسورية، وإزاء الخلاف بين التنظيمات السلفية التي عاد جزء منها إلى حضن القاعدة، وجزء منها ما زال مترددا. التنظيمات في غزة في المقابل ليست شريكة في هذه المنافسة رغم أن داعش في سيناء يحاول طرح نفسه أيضا كراع للتنظيمات السلفية في غزة. في شهر آب الماضي وبعد العملية الانتحارية التي نفذها احد نشطاء هذه التنظيمات في الجزء الشرقي من معبر رفح وقتل أحد نشطاء حماس، شنت حماس حربا شديدة ضد نشطاء هذا التنظيم، وحماس تلقت في المقابل تحذيرا شديدا من المتحدث بلسان داعش في سيناء، وقد جاء في التحذير "إن حماس ستدفع ثمنا باهظا بسبب تدميرها مساجد السلفيين في غزة".
في شهر ايلول، بعد التوقيع على اتفاق المصالحة بين فتح وحماس بوساطة مصرية، نشر داعش في سيناء تهديدا آخر جاء فيه أن كل الاتفاقات بين حماس والمخابرات الكافرة في مصر، والتي تهدف إلى فرض حصار على جنود الخلافة (الاسلامية) المباركة لن تفيد. في المقابل، التنظيمات السلفية في غزة امتنعت عن التصادم مع حماس.
حماس التي تحاول التصرف كنظام سياسي مسؤول، تصادمت مع التنظيمات السلفية أيضا عندما بدأت هذه التنظيمات العمل ضد اهداف "تكفيرية" في غزة وقامت بإحراق محلات للفيديو ومقاهي، وذلك خوفا من أن تقوم هذه التنظيمات بالمس بشرعية حماس كتنظيم قومي وليس فقط تنظيم ديني. حماس لا تتأثر بشكل خاص من المصطلحات الدينية للسلفيين التي هدفت للمس بمصداقيتها الدينية. المتحدثون بلسان حماس اعتادوا على الاستهزاء بالعباءة الدينية التي تلتف بها التنظيمات السلفية، ولا سيما بسبب أن عددا من رؤساء هذه التنظيمات بدأوا طريقهم علمانيين تماما، وأيضا بعد توبتهم فإنهم يعيدون عن أن يكونوا معلمين أو فقهاء في الشريعة.
مثال معبّر بشكل خاص هو ممتاز دغمش الذي بدأ طريقه "العسكري" كرجل استخبارات في الامن القومي في فترة حكم ياسر عرفات، وبعد ذلك انضم لحماس وانتقل إلى اللجان الشعبية التي انشئت في الانتفاضة الثانية، وكان مسؤولا عن قتل موسى عرفات، ابن عم ياسر عرفات. بعد ذلك انشأ دغمش منظمة "جيش الاسلام"، الكبيرة والمسلحة من بين التنظيمات السلفية، الامر الذي لم يمنعه من المشاركة في اختطاف جلعاد شليط وتسليمه لحماس، أيضا تسليم حماس عشرة من ابناء عائلته الذين عملوا في اطار الاجهزة الامنية لفتح. في ايلول 2015 اعلن عن انضمامه لداعش، لكن اساس قوته يكمن في حمولة دغمش الكبيرة. الصلة بينه وبين الدين الاسلامي هي مثل العلاقة بين اسماعيل هنية والحركة الصهيونية.
التنظيمات السلفية لا تشكل تهديدا حقيقيا على صلاحيات وقوة حماس، ولكن يمكنها أن تقلق وتهدد، بالتحديد عندما تطلق النار على اهداف في إسرائيل ومصر. إسرائيل تتصرف بناء على ذلك بحكمة عندما تميز بين هجمات التنظيمات السلفية وبين هجمات الجهاد الاسلامي. مطالبة حماس بالسيطرة على هذه التنظيمات وتحمل المسؤولية عنها لاحباط نشاطاتها هي جزء من الاعتراف غير الرسمي بمكانتها. ولكن هذه العقلانية لا توجه دائما وزير الأمن أو وزراء اليمين الذين يضمون كل هذه التنظيمات، بما فيها حماس، في رزمة واحدة، الامر الذي يجعل الطريق الذي يقود إلى هجوم شامل على غزة قصيرة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018