عسل يمني

نادر رنتيسي

مشاكل كثيرة سببها لي "نزار قباني"، منذ أن ألقى على حبيبته المجهولة، تحيَّة صباحيَّة دبقة، وقال برومانسيَّة مبالغ فيها: "صباحك سكَّر"، لكن تلك المشاكل لم تظهر إلى العلن إلا بعدما خطرت القصيدة على بال "كاظم الساهر" الغنائي، وأدَّاها بـ"مزاج رحباني"، ذات صباح بعيد بمقدار عقد ونصف العقد، ثمَّ استراح في نوم الساهرين.
كنت مثل الكثيرين الذين كانوا يكرهون في صغرهم حصَّة التعبير، سعيدا بالعبارة التي كانت توفر عليّ جهد إشغال خيالي المحدود، وحرج انتقاء أنواع مغشوشة من العسل، فأرسلها إلى خطيبتي كلَّ صباح في رسالة ضوئية من دون أن تزيد ذرة سكَّر أو ينقص طعمها خيطا مفترضا من العسل المقلَّد، ولا يكون جوابها أقل من العسل اليمنيِّ.
لكنني تورَّطت كثيرا في الاستسهال، خصوصاً بعد مرور عسل الزواج بأسرع مما يمر شهر شباط في السنة الكبيسة التي اخترت الزواج فيها كنوع من الفأل الحسن، حتى لا يطول كعقد كاثوليكي صارم، وبعد اعتياد زوجتي على الكلام الحلو الذي لم أصنعه بيدي، لتتأكد، بعد عقد من الحب البيتي، أن فمي لم "يتمرمر" بالطعام المالح، والشاي المحلَّى بقطعة سكر بنية.
كان يمكن أن يكون الأمر محتملاً لو اقتصر على محاولاتي البائسة لتجديد الحياة الزوجية، لكن خارج أسوار البيت كانت حبيبات السكر تنتشر قبل وصول خيوط الشمس إلى الأرض: طالب التوجيهي يرسلها إلى طالبة الإعدادي، وطالب الأدب في السنة الرابعة يكتبها على مقعد رخامي يفترض أن تجلس عليه طالبة الاقتصاد في عامها الأول، والزوج المخادع يغنِّيها من أنفه للزوجة التي تضمر كيداً عظيماً، والمذيعة الأردنية تلفظها مسترخية بصيغة لبنانية مفتعلة للجمهور الأردني العابس في حافلة أطول من الطريق، والوزير الذي رفع سعر السكر يهديها إلى "المواطنين الصابرين المتفهمين"؛ هكذا بنبرة تقطر ملحاً لاذعاً: "صباحكم سكر".
كلُّ الحيطان الافتراضية تبدأ برش السكر عند السادسة صباحاً، وهو الوقت ذاته الذي تتهيأ فيه شركات الاتصالات لتحويل الرسائل اللحوحة إلى مستقبليها غير المكترثين، ويستعد النمل للم مونته على أطراف حديث عاشق وامرأة متمنعة، والأم تتفقد علبة السكر الخشن الرخيص لإعداد الشاي العراقي الحزين علاجا لابنها المكتئب، والأم أيضا تضع سكراً ناعما "نخب أول" على مشروب إيطالي ملون لابنها العاشق في التوجيهي مخففا عن ألمه في حب "البنت الإعدادية"، والأمّهات جميعا يطحنّ السكر على "كعك" عيد طعمه محايد؛ مثل ماء البحر بعد التحلية.
و"إذا مر يوم ولم أتذكر، به أن أقول صباحك سكر"، فهذا يعني يا حبيبتي أنني "اصطبحت" بتحية الوزير الصباحية، ونبأ "تعديل" أسعار السكر، ما يعني أنني اضطررت لشرب الشاي العراقي مراً على مرارته الزائدة، وتكدر مزاج النهار كله كقهوة عربية باردة صنعت قبل يومين من صباحية المذيعة المغناجة، وكان يمكن أن أتجاهل كل ذلك، و"أحبك أكثر حين أنا لا أقول أحبك"، لكنك يا زوجتي الحبيبة أخبرتني أن نتائج التحليل أفادت بإصابتي المتأخرة بالسكري!
و"صباحكِ سكر" يا طالبة الإعدادي، وطالبة الاقتصاد والإدارة العامة، والزوجة التي تضمر كيداً عظيماً، والمعشوقة المتمنعة، والأخت المواطنة الصابرة المتفهمة ارتفاع أسعار السكر؛ أنا مثلكن تماما صدقت كلام "نزار قباني" وغناء "كاظم الساهر"، وصرت لا أبدأ صباحي إلا بكميات وافرة من السكر التي لا تكفي لتحلية شاي عراقي مر؛ وماذا أفعل أصلاً بالسكر: كنت فقط أريد رشه على الموت!

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018