كدتُ أضحك!

نادر رنتيسي

لو عشتُ عمراً آخر لن أكرِّرَ أخطائي؛ سأرتكبُ أخطاء أخرى. لكنّ الخطأ الوحيد الذي ارتكبته طوال خمسين عاماً من حياة مثالية محسوبة تفاصيلها مثل أوقات البنوك، أنّي لم أرتكب أخطاء غير قابلة للتصويب، ولم أذهب بأقدام نزقة نحو المناطق المسكونة بالخطايا، فقط ظننتُ لخمسين عاماً سريعة مثل ساعات الظلّ، أنّ الأيّام يجب أن تظلّ بيضاء بلا دنس، خالية من النساء الطائشات، والسجائر الكوبية، والكحول الرحيمة، والشهور ينبغي أن تكون مستقيمة كالصيام، ومنتظمة مثل جدول مدرسي، والسنوات يجب ألا أهدرها في مغامرات خارج حدود البلاد، أو في مقرّ الحزب السياسيّ المعارض تحت الأرض.. والعُمْر لا بدّ أن يكون صالحاً ومنذوراً للصالحات.
 اعتقدتُ أن تجنّبَ الطيش والسياسة، سيطيل العمر حتى العام الرابع بعد المائة، عندما يُنشر في الصحف عن مُعمّر مات بمضاعفات لسعة بعوضة، ثمّ تأتي إلى جنازتي مندوبة شقراء من وكالة رويترز، تسأل واحدة من حفيداتي الكهلات عن نمط الغذاء الذي أطال الحياة قرناً، وتعدِّدُ في تقريرها الحروب الساخنة التي عاصرتها، ومعاهدات السلام التي شاهدتُ نقضها، وكؤوس العالم التي رأيتها تُرفعُ في بلاد الألمان والطليان والقهوة، ثمّ يُنشر التقرير في صحف اليوم التالي، ويضحكُ الناس في أوقات الظهيرة، وتجتمع حلقة من طلاّب الجامعة، يقولون إن أعمارهم مجتمعة أقلّ من عمري.. ولن يحتفظ أحدٌ بقصاصة التقرير، ولن يُضاء قبري بأيّ هالة من هالات المجد. 
 لكنّي الآن في الخمسين.. أحملُ مغلفاً بُنياً، أتلكأ في الذهاب إلى مواعيد يفترض أنها عاجلة في مركز الحسين للسرطان، بل أقرِّرُ بعد يومين من التفكير الوجوديّ أن لا أذهب إلى ذلك المبنى الذي تشيح النساء وجوههن عندما يقتربن منه، ويقرأن أدعية درء البلاء. أمرُّ من أمام المبنى الرهيب، ثمّ أواصل الطريق مئات أمتار أخرى باتجاه الجامعة الأردنية، أصطفُّ في ظلّ شجرة بلوط. قد لا أستطيع أنْ أتذكّر كلّ ما مرّ في بالي من صور غريبة وأفكار صادمة، لكنّي بالتأكيد تخيّلتُ واحداً من سيناريوهات نبأ وفاتي، حتى رأيتُ على بعد عشرة أمتار حلقة من الطلاب يمسكون بأوراق الجريدة، ويضحكون. وكدتُ أضحك!
.. وكدتُ أبكي في طريق العودة إلى البيت، وكدتُ أصطدمُ بجدار نفق الصحافة، اقتربتُ فيما يبدو من الموت، وكلُّ ما أريده في علة الخمسين أنْ أذهب إلى الموت واقفاً قبل أنْ أتمّ فنجان القهوة، وأنا أحكمُ ربطة العنق، أو لأيّ سبب غامض في نوم الظهيرة بعد وجبة الغداء. لا أريدُ أن أترك أثراً لأصابعي يدل على أنّي تشبّثتُ بالبقاء هنا، فكلُّ جلسات الكيماوي، والكلام المعنويّ الفارغ، هو حفر أظافر على الحافة، وأنا لا أريدُ سوى السقوط مثل لاعب جمباز؛ سقوط على الرقبة يكفي، أو أيّ موت خاطف لا يجعل نعيي في الصحيفة يبدأ بالديباجة التي  يحفظها موظفو الإعلانات: "بعد صراع طويل مع المرض"، أريد السقوط بضربة قاضية، و ألا أستكمل اللعبة خاسراً.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018