مقاومة غزة السلمية

سائد كراجة

حق للفلسطينيين أن يطمئنوا، نعم عشية النكبة، وعشية نقل سفارة الولايات المتحدة الصهيونية إلى "القدس"، حق لهم أن يطمئنوا، فقد سقطت عنهم أمس وعن نضالهم عباءة الأنظمة العربية، وتحرروا من معادلاتها السياسية التابعة البائسة، فمن الأنظمة العربية قليلة الحيلة والمقدرة، إلى الأنظمة العربية على مقاعد المتفرجين، إلى الأنظمة العربية "الميكافيلية الجديدة" رَبِع جهنم إسرائيل ولا جنة إيران، الى منظمة التحرير نفسها، كفنت الأنظمة العربية أمس حضورها التاريخي في النضال الفلسطيني، واحتفالاً بذلك ذهب الفلسطينيون لموتهم مع سبق الإصرار والتيقن؛ حيث تساقطوا أمام بعضهم بعضا، ولم يردعهم موتهم أمامهم، بل أمعنوا في الموت بعثاً للمقاومة ورفضاً مجسداً لسياسة القوة الغاشمة، خمسون شهيداً ارتقوا وآلاف الجرحى ينتظرون، والمجزرة مستمرة.
حق للفلسطينيين أن يطمئنوا، فقد سقط قناع أنظمة العالم الإسلامي، وكذلك قناع لجان القدس والمنظمات والمؤتمرات الإسلامية، جماعة "أولى القبلتين"، وجماعة الإسلام دين ودولة، وحملة شعار "إنها حرب دينية"، وقد صوروا لنا أن القيامة ستقوم عندما تُضم القدس عمليا، ويبدو أن الشجر لم ينادِ أحداً من المليار مسلم، فإن الجنود الصهاينة ليسوا وراء الشجر ولا الحجر، بل في عقر المسجد وفي ساحة الأقصى، يخرج لمقاومتهم إمام المسجد الأقصى متسلحاً بـ"الحوقلة" وبرهط من المصلين يساوون الصفوف ويسدون الفُرَج، يحولون بأجسادهم بين رصاص أحد "بناء الله" الأفارقة وبين كرامة ثاني الحرمين الشريفين؛ حيث يستغيث المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، بفلسطينية عجوز ذهلت عن ابنها الشهيد وهي تقاوم مجندة بولندية تدعي أن الله وعدها ببوابة القدس القديمة..
حق لهم أن يطمئنوا، فقد شَيعوا جميع المنظمات الدولية والإقليمية وعلى رأسها الجامعة العربية "يحفظها الله" وكذلك مجلس الأمن والجمعية العمومية، ودفنوا كل قرارات المجتمع والقانون الدولي العقيم، التي تمنع تغيير معالم الأرض المحتلة، وتلك التي اعترفت بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين. رغم أنه -ولله الحمد- فقد استنكر العالم استخدام "إسرائيل" القوة المفرطة، ويبدو من هذا الاستنكار أن القوة الناعمة مقبولة، يعني لو أن عدد الشهداء كان أقل قليلاً لقبل ذلك هذا المجتمع الدولي المتساقط!!، وهنا نشكر جنوب افريقيا الشقيقة التي كانت أول من استدعى سفير "إسرائيل" للاعتراض على عدوانها على غزة، ونعتذر من الأشقاء العرب والمسلمين؛ حيث أحرجتهم الشقيقة جنوب افريقيا، ونخص بالاعتذار الخليفة الجديد "اردوغان"، وأيضا نعتذر من "خيار المقاومة" ونتطلع لحناجرهم وحناجر أئمتهم؛ وحدات التدخل السريع التي ستمحق اليهود على منابر الجمعة المقبلة في العالمين العربي والإسلامي.
تهويد القدس بدأ منذ 1967، ونقل السفارة منذ 1995، والهزيمة الأم مستمرة منذ 1948، وقد استغل العالم القضية الفلسطينية، تآمرت عليها الصهيونية المسيحية قبل الصهيونية اليهودية، واعترف بإسرائيل الرفاق قبل الأصدقاء، لم تكن الولايات المتحدة الصهيونية يوماً وسيطاً نزيهاً، وساندتها أنظمة عربية تابعة للوسيط غير النزيه أو للرفيق المتخاذل.
حق للفلسطينيين أن يحتفلوا، فقد أخذ الشعب زمام المبادرة وحمل قضيته بيده شعبياً، تناصره شعوب العالم الحر بعيداً عن معادلات الأنظمة والمنظمات السياسية النفعية الخانعة، وبدأ الفلسطينيون مقاومة شعبية سلمية، مع عدو دموي، رافضين نقل السفارة بأكثر من خمسين شهيداً ارتقوا بقتل صَراح برصاص دولة الاحتلال العنصرية الغاشمة، هذه المقاومة السلمية الحرة المتحررة المُكلفة هي بداية انتهاء هذه الدولة العنصرية وذلك الاحتلال البغيض، وإن غدا لأهل غزة وفلسطين كل فلسطين لقريب.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018