لا ضرائب من دون تمثيل

مروان المعشر

مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد أحد الدلائل الصارخة على انتهاء الحقبة الريعية في البلاد. فقد قامت الدولة الأردنية، كما العديد من الدول العربية المجاورة، على عقد اجتماعي ارتكز على محورين؛ سياسي واقتصادي.
بموجب العقد الاجتماعي، التزمت فيه الدولة الأردنية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي بتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين من تعليم وصحة وغيرهما، ودعم للمواد الأساسية كالخبز والوقود، إضافة لتبوئها مهمة المشغل الرئيس للعمالة، في مقابل قبول المواطنين بضعف تمثيلهم السياسي.
صحيح أن لدينا مجالس نواب وأعيان يفترض بهم أن يعبروا بصدق عن رأي الناس وأن يقوموا بدوريهم التشريعي والرقابي على أكمل وجه، ولكن القاصي والداني يدرك اليوم أن هيمنة السلطة التنفيذية على صنع القرار وضعف الهياكل التشريعية التي تضمن مجالس نيابية قوية وأحزابا فاعلة، خلقا شعورا لدى الغالبية العظمى من المواطنين بأن صوتهم ليس مسموعا، وهو ما تدل عليه كل استطلاعات الرأي في البلاد.
نصل اليوم الى نهاية هذه المرحلة. هناك أسباب عديدة لتجاهل الدولة الطريق الريعي الذي أوصلنا للحائط، ونستطيع إلقاء اللوم على عوامل عدة قد يكون أغلبها صحيحا، ولكن هذا لا يمنع أن لدينا مشكلة علينا حلها، وأن حلها لا يمكن أن يتم باتباع الوسائل الاقتصادية التقنية البحتة، ولا يمكن تغليفها بعد انتهاء الحقبة النفطية.
كما أن أي مقاربة تعتمد رفع الضرائب بأسلوب قانون الضريبة المقترح مع إغفال الشق التمثيلي في المعادلة لن يكتب له النجاح، فقد وصلت أزمة الثقة بين المواطن والحكومة أوجها، وعلى السلطة التنفيذية، أن تدرك أن الخروج من هذه الأزمة الاقتصادية بشكل مستدام لا يمكن أن يتم بالإصرار على الوسائل القديمة؛ أي بالجباية والضغط وتجاهل شق الإصلاح السياسي والهيمنة على القرار.
واقع الحال أن الإصلاح السياسي في البلاد اليوم بمعنى تحقيق التوازن بين السلطات واقتناع الناس بأن لديهم صوتا تمثيليا حقيقيا، أصبح ضرورة وطنية، وليس ترفا نخبويا كما يحاول البعض تصويره.
هناك مبدأ راسخ في الدول الديمقراطية المتقدمة، مفاده أن لا ضرائب من دون تمثيل، وهو ما انتبه اليه تقرير منتدى الاستراتيجيات الأردني، ولم يتناوله أغلب من كتب حول هذا الموضوع. إن حل المشكلة لن يتم عن طريق المقاربات التقنية، بل بحاجة الى مقاربة مجتمعية تشرك المواطن بشكل مقنع، وتتعدى موضوع قانون ضريبة الدخل لتشمل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية كافة في البلاد. من يواصل ترديد الأسطوانة المشروخة أن هذا كلام نظري طوباوي، عليه العودة لأزمة العام 1988-1989 ليرى كيف تم معالجة المشكلة سياسيا وبحصافة متناهية.
نعم، نحن بحاجة لعقد اجتماعي جديد ينطلق من حيث وصل إليه الميثاق الوطني العام 1990 والأجندة الوطنية العام 2005، ولكن هذه المرة بإشراك ورضا وقناعة أذرع الدولة كافة، وبإشراك مكونات المجتمع كافة وبشكل مقنع أيضا.
بغير ذلك قد يمر قانون ضريبة الدخل مع بعض التعديلات وكثير من الضغط، ولكن لا يظنن أحد أن المشكلة الاقتصادية تكون قد حلت بهذه الطريقة. نحن بحاجة لمقاربة جديدة لإدارة البلاد من الآن فصاعدا، وبحاجة لأن تقتنع الدولة بذلك قبل غيرها.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018