يومان في العصفورية

ماسة الدلقموني

عزيزي الرجل، كيف لي إلا أن أكون متمنيةً ألّا تراني متناقضةً! تريدني امرأةً قويةً وأمامك مستضعفةً، تريدني امرأةً عاقلةً ومعك مجنونةً، تريدني امرأة راجحة ومعك صامتةً، تريدني امرأةً مستقلّةً وعليك معتمدةً، فَقُل لي، كيف لي إلّا أن أكون متمنية ألا تراني متناقضة!
هذا قلمي يكتب مغبوناً بعقلي، فلا تُجرِّموني، وارحموني، فلتوّي خرجت مِن العصفورية، عُدتُ من رحلتي مع مي زيادة التي يفصل بيني وبينها ما يقارب المائة عام، ويجمع بيني وبينها واقع محفوف بالآلام لأودعها إلى قبرها وأعود لحياتي حاملة قلبي بين يدي.. فأي ظلم هذا الذي زجَّ في جحيم العصفورية بسيدة لُقِّبت من قِبَل كبار أُدباء وشُعراء عصرها بأميرة البيان، وحيلة الزمان، وملكة دولة الإلهام؟ وأي حب ذاك الذي أعماها فسَلَّمت أمرها لرجل تربى على يد ذئاب؟ كيف وقعت فريدة العصر، ونادرة الدهر، وسيدة القلم في شباك الاستغلال؟
مخطوطاتك يا مي في ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية ليست حبرا على ورق، بل هي واقع أليم لكثير من النساء اللاتي تُقهَرن ألف مرة ومرة كل يوم. نساء سُلِبَت حُقوقهن، وأخريات سُلِبنَ ميراثهنّ، نساء قُتِلن وسُجِنَّ لأنّهُن اغتُصبن، وأخريات قُيِّدت حُرّيتهن بحجة الوصاية على قصور عُقولهن.
حدثتيني في العصفورية قائلة: "لا شيء في هذا الشّرق الذي أخفق في كل شيء حتى في أن يكون هو، خسر شرقيَّته وأخفق في أن يكون غرباً". لا يا عزيزتي ليس هذا هو حال شرقنا اليوم، فبعض من الرجل -ولست أوجه أصابع الاتهام له- لم يخسر شرقيَّته، ولم يخفق في أن يكون غرباً، بل خلق ازدواجيّة فريدة مِن نوعها -مع احترامي لكل رجل تفادى هذه الازدواجية- ونجح من خلالها بممارسة شرقيّته على المرأة وغربيّته على نفسه فارضاً مُسلَّمة "حلال عليه وحرام عليها". ما يزال مجتمعنا يا مي في هذا العصر يتجادل بزواج القاصر وجرائم الشرف وقانون الاغتصاب، والخافي أعظم. وما تزال النساء إلى يومنا هذا يعانين من التمييز القانوني في الجنسية والمواطنة، في فرص العمل، في التمثيل السياسي، وما يزلن حتى اليوم يطالبن بتعديل قانون الانتخاب المجحف بحقهن. أما عن احترام آرائهن فسألُخِّص الكلام لك بجملة شهيرة: "اقعدي يا هند"، جملة فعلية بسيطة هي لمن يقرأها، وواقع مهين لكل امرأة تفهمها. أعرف أنك تفهمين هذه الجملة جيداً فقد استوقفتني طويلا كلماتك في إحدى مخطوطاتك حيث تقولين: "يكفي أن يكون المرء امرأة ليُجَرَّد من عقله وذكائه". لست أدري من ألوم هنا يا مي، لست ممن يُتقِن لعب دور الضحية. أرى ظلم التشريعات والقوانين تجاه حقوق المرأة من جوانب عدة تماما كما أرى سلبية وتسليم الكثير منهن -مع احترامي لمن يخرجن على المعادلة- لواقعهن كأن لا علاقة لهن به وبما يحصل، وكأنهن لا يملكن حولا ولا قوة.
احترامي لكِ ولكل قارئ ومُتفهّم، سأنهي خاطرتي هنا بتساؤل -يحتمل إجابات عدة من مؤيّدة ومُعارِضة- فكيف لي أن أُفسّر إخفاق الزمن بإحداث تغيير جذري بحق المرأة رغم قرابة القرن الذي يفصل بيننا! أوَليس لصمت معظمنا دور؟

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018