حلم سبع ليال!

د. حمزة الحمصي

قبل سنتين بالتمام حضرت حفل توقيع كتاب "رسائلنا ليست مكاتيب" للكاتب إلياس فركوح. الكتاب هو رسائل مؤنس الرزاز الى الياس 1976-1981، وردود الياس على هذه الرسائل بين 2013 و2015. الردود كانت تتألم على واقع الإنسان العربي اليوم وبطريقة حزينة ومشروعة للأستاذ الياس. ولكن أتذكر حين سألت الكاتب على مسمع من الرئيس الرزاز. هل نشر الرسائل الآن يدل على أنها صالحة لزمننا هذا؛ حيث إنه لم يتغير شيء.. لا أذكر الجواب ولكن عرفت الجواب من رسائل مؤنس تحديداً. شاب يتحدث لإلياس عن بغداد كيف أصبحت خلية نحل والعمل الحضاري والثقافي. ورسائل ما بعد صدمة بغداد والذهاب لبريطانيا والولايات المتحدة.
لم أقرأ كتابا لمؤنس من قبل، ولكن عرفت مؤنس من رسائله، إنه شخص عبقري ذو عقل وفكر يستطيع استيعاب أفكار جديدة بكميات مهولة ولكن لا يحتمل أن يكون هناك قيد لطموحه وحلمه وتفكيره ليستطيع الإنتاج. وبعد القيود التي فرضت على حلم بغداد ابتدأ عنده الاكتئاب بخفاء وهو فقدان الطموح الكبير، وبدأ العمل على الصعيد الشخصي بالدراسة في الخارج واستيعاب التجارب الإنسانية والحضارة العالمية مع المحاولة أكثر ما يمكن بالاستمتاع بالحياة كشاب. وهو (الحزن الخفي)، ما أبطأ إنتاجه أو إنجاز مشاريعه الأدبية.. وينتظر أحداثا عالمية كبيرة لتزيح القيد عن حلمه الذي جعله طموحا على المستوى الفردي فقط.
قبل الأسبوع الماضي، كم مؤنسا لدينا كان يحاول أن يكمل حياته بحلم على مستواه الفردي فقط. وكم مؤنسا لدينا كان قد فرض قيدا على حلمه أن يعمل لحضارته وهويته وبلده. كم مؤنسا خسرنا سابقا.. وهو يحاول أن يبني حياته خارج البلد ويتوق لإشباع عقله وهويته الفردية بالانخراط بتجارب غيرنا.. وكم مؤنسا يتوق للعمل لبلده فرح بعد ما جرى الأسبوع الماضي.. كم لدينا الآن من مؤنس عبقري لديه هويتنا وحضارتنا في تركيبته، ولديه إما أن يبني عليها أو يخسر كل شيء ونخسره؟
لدينا الفرصة الذهبية الآن لأن لا نخسر هذا العدد من مؤنسينا، فعمّان 2018 ليست بغداد السبعينيات. ليست بغداد التي خسرت ما بعد الخمسينيات تجمعا ضخما من النخب العربية التي تجمعت فيها بعد نهاية الدولة العثمانية. وليست بغداد التي حكمتها نخب جاءت نتيجة تحولات اجتماعية عمت أكبر دول المنطقة. وعمّان ليست بغداد التي كانت تغرق شوارعها بجيل من الشباب المؤدلج سهل الاقتياد. فعمّان لم تخسر تجمع النخب العربية القادم مع الثورة العربية وما بعدها.. وإن لم تعد تحكم الآن هنا.. وعمان عاصمة دولة سلمت من عواصف الإيديولوجيات والتحولات السياسية ضخمة التأثير.. ولم يخسر الأردن ما عنده من الفئات المجتمعية التي يمكن أن تقود غيرها من فئات المجتمع مثل ما حدث الأسبوع الماضي. عمان التي شبابها بسبع ليال فقط استطاعوا أن يحلموا لسبع ليال وأن يغيّروا السيكولوجيا الجمعية سواء عند الأمن أو عند الفئات التي كانت قد تقاسمت على مدى فترات معها الشارع والهتاف. فماذا يمكن أن يفعل هؤلاء بالعقل الجمعي والسيكولوجيا الجمعية كمثال إنْ نزع عنهم القيد وقدمت لهم الفرصة الآن للتغيير والحلم لسبعة أشهر، أو كمثال إلى حين الانتخبات المقبلة (ولو حدثت بالقانون القديم نفسه).
إنها فرصة ذهبية، لأنه لن يكون لدينا عدد كبير من "المؤنسين" كالذي عندنا اليوم.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018