انفصام فيسبوك

جهاد المنسي

منحتني إجازة العيد فرصة للاطلاع على بعض المنشورات التي ينشرها بعض مرتادي العالم الافتراضي الأزرق (فيسبوك)، ومن خلال تلك المنشورات يمكن لأي شخص معرفة طريقة تفكير أصحاب (البوستات) التي يعج بها المتصفح الأزرق.

شخصيا، استوقفتني منشورات قليلة جدا تطرح فكرة وتناقش موضوعا، فيما وجدت في السواد الأكبر من المنشورات حفلات من الانفصام والسب والشتم واغتيال الشخصية وتسويق الإشاعات والبناء على فرضيات غير حقيقية، وأكثر ما كان يؤلم أن تجد من بين المنساقين وراء إشاعات وافتراضات وحفلات شتم وردح من يفترض بهم صناع رأي عام من نواب وساسة سابقين وحزبيين سابقين وحاليين وصحفيين وكتاب ونقابيين وغيرهم، والأنكى والأصعب والأشد غرابة عندما ترى أولئك منساقين وراء إشاعة أو عندما تراهم يخلعون ثوب الفكر الذي كانوا به يتلحفون ويتكلمون بجهوية وعنصرية وإقليمية وشعبوية وعشائرية وغيرها من المترادفات التي لا تستقيم وبناء دولة مدنية حضارية طالما تحدثوا بها هم أنفسهم.

الأصعب ليس هنا فقط وإنما ما يحز في النفس عندما تقرأ ليساري أو شيوعي كلاما جهويا وإقليميا ومناطقيا وهو طالما تحدث لنا سابقا عن الفكر الأممي، وأشبعنا تنظيرا وقولا أنه يدافع عن الجائع في الأردن كما يدافع عن الجائع في كوبا أو البرازيل.

كما يمكنك أن تشاهد إسلاميا طالما جاد عليك عبر الخاص أو العام بحكم وآيات قرآنية وأحاديث نبوية، ومن ثم يخرج علينا بمنشور يطعن فيه بـ"المحصنات!" من دون دليل، ويعلق على موضوع من دون دليل، ويكذب هذا ويروج لذاك من دون تحقيق.

للأسف، ما لمسته خلال أيام العيد كان أغلبه يصب في اغتيال الشخصية، وهذا يتضمن حفلات ردح وذم وتحقير وشتم عبر الردود التي تأتي على هذا المنشور أو ذلك ويبقيها صاحب المنشور ويضع عليها علامة إعجاب!!، فيما نجد القليل جدا من المنشورات التي يتحدث أصحابها بفكر وتمحيص ويؤمنون بالنقاش والموضوعية.

ما يحصل عبر المتصفح الأزرق خطير، وما نقرأه من منشورات يجعلنا نضع مئات علامات السؤال حول أولئك الذين يتحدثون معنا بلغتين مختلفتين ويقدمون أنفسهم بوجهين، فأولئك كالسم في الدسم، يلوثون الفضاء الافتراضي ويريدون نقل ملوثاتهم لفضائها الحقيقي، ولذا فإن مكافحة أولئك من الأولويات حتى نستطيع أن نقفز لمطارح أوسع، ومن ثم نبني الدولة التي نريد.

الخطورة أن ما بات ينشر عبر الفضاء الافتراضي أصبح يؤثر علينا كواقع حقيقي، وباتت القصص الخيالية التي يرويها البعض عبر المتصفح الأزرق تروى في الدواوين والجلسات العائلية ولقاءات بعض الأحزاب، حتى أن نفي بعضها أو التشكيك فيها بات يضع النافي موضع الشك.

ذاك لا يعني أن الأمور لدينا شهد وعسل، ولا يوجد ما يمكن نقده ووضع علامات سؤال حوله، ولا يعني أن كل ما يقال غير دقيق وأن السلطة التنفيذية تقوم بواجباتها كما يجب، وأن الفساد غير موجود، بيد أن ذلك كله يتوجب تناوله بشكل حضاري موضوعي بعيدا عن الشتم واغتيال الشخصية.

الثابت أن من حق الجميع النقد والتعليق على مكامن الخلل وتناوله بموضوعية، ولكن هذا الحق لا يعني أن نبتعد عن الموضوعية واحترام الرأي والرأي الآخر، كما أن ذلك لا يعني أن يتحول شيوعي مثلا حدثنا عن الأممية والكادحين سنوات وسنوات ثم نراه ينشر "بوست" جهويا، فهذا انفصام ليس بعده انفصام وقطرية بعيدة عن الأممية.

نريد أن نناقش واقعنا بشكل حقيقي وليس عبر التواصل الاجتماعي، نريد أن نؤمن قولا وفعلا بأننا نريد دولة مدنية حضارية، ولا نريد أن يكذب البعض علينا فيتظاهرون بتأييد الدولة المدنية وهم في قرارة أنفسهم جهويون وإقليميون وعنصريون، نريد أن نرى فكرا حقيقيا يطرح عبر التواصل الاجتماعي وليس فكرا محافظا بعيدا عن روح الدولة الحديثة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018