الاتجاهات الثلاثة في الدين والمجال العام

إبراهيم غرايبة

هناك طيف واسع من الأفكار والتصورات حول الدين في المجال العام لا تنتمي إلى "التديين" بمعنى الولاية الدينية على الحياة العامة أو المرجعية الدينية في الشأن الجماعي بما هو ينظم الجماعات والمؤسسات، ولا تنتمي أيضا إلى الفصل القطعي بين الدين والدولة كما في النموذج الفرنسي، وربما تكون هذه التجارب هي ما نحتاج إليه في عالم العرب والمسلمين أكثر من الانشغال بالنموذجين الأكثر شهرة وتداولا في عالمنا؛ أقصد النموذج الديني أو "اللائكي". وفي سلسلة "تحديث الفكر الديني" التي يشرف عليها عبد الجبار الرفاعي ترجمت ونشرت مجموعة من الدراسات والمعالجات الفكرية الرائدة في الإنتاج الفكري العربي، وأظن أنه حان الأوان للاهتمام العميق بمثل هذه الدراسات لعلها تساعدنا على بناء تصور فكري عربي في الشأن العام، أو على الأقل تخرج الجدل من الثنائية المملة وغير المفيدة في شيء!

في كتاب "قوة الدين في المجال العام" الذي يضم نقاشات بين مجموعة مفكرين مهمين في الفلسفة والاجتماع، وهم يورغن هابرماس، وجوديت بتلر، وكورنيل ويست، وتشارلز تيلور، وادوارد منديتا، وجوناثان فانتويرين، وكريغ كالون، يمكن الحصول على مقاربات مناسبة ومختلفة في تصور تأثير الدين في الفضاء العام وعلى النحو الذي يقبل فيه المتدينون وغير المتدينين ويفيد ويطور الجدل العام، بما يجب أن يكون عمليات مستمرة وحيوية؛ إذ بغير هذا الجدل لن ننشئ النموذج المناسب في تنظيم الدول والمجتمعات والأسواق والعلاقات والتصورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

إن الدين يمثل واحدا من أكثر مصادر الاهتمام والقلق في التفكير والتخطيط في الفضاء والجدل العام؛ إذ كان على مدى التاريخ والجغرافيا وفي كل الأديان يشغل الطبقات الاجتماعية والمحافل العامة والمفكرين والمثقفين كما محدودي التعليم والثقافة، وهو موضوع يزداد أهمية مع التطور الكبير في وسائل الإعلام والتواصل. وقد شمل الجدل حول الدين في الفضاء العام السياسة والمؤسسات والنظام الاجتماعي والأخلاقي والعلوم الطبيعية والبحتة، وعلاقة الدين بالسياسة، وهي جدالات طويلة وقديمة، يؤسس لها في العصر الحديث بالثورة الإنجليزية في القرن السابع عشر.

ورغم الأمثلة الإيجابية الكثيرة عن دور الدين في الفضاء العام في العدالة وحقوق الإنسان والتعليم والحريات،.. ظل السؤال عن الدين في المجال العام مهما وملحا، ويدعو الكثيرون إلى أن يبقى الدين داخل المجال الخاص، رغم الإقرار بأثره الفعال والمحفز والأخلاقي في تشكيل الضمائر الفردية. لكن هناك دعوات، في المقابل، للاعتراف بدور الدين في المجال العام حتى في أوروبا التي تدهورت فيها الممارسة الدينية ظلت قضية الدين الشعبي فيها حاضرة بقوة.

يقول ولتر روشنبوش (كتاب المسيحية والأزمة الاجتماعية، نشر سنة 1907) "كل من يفك الارتباط بين الحياة الدينية والاجتماعية لم يفهم المسيح. وكل من يقيد تأثير القوة التعميرية للحياة الدينية على العلاقات الاجتماعية ومؤسسات الإنسان، فإنه بقدر تعلق الأمر بهذا الجانب ينكر عقيدة السيد المسيح".

ويعتقد هابرماس أن المجال العام في المجتمع الديمقراطي يجب أن يكون مفتوحا أمام الجميع، ويجب احتواء المواطنين المتدينين كمسألة تقع في صلب العدالة وكحاجة عملية عاجلة في آن واحد. إذ يتعرض للخطر مستقبل نظام الحكم الديمقراطي إن أخفقنا في دمجهم في مشاغل العقل العام. ويمثل العثور على طرق يدمج بها الدين في المجال العام كما يعتقد هابرماس تحديا حيويا يواجه المجتمع المعاصر، ..ونظريات المجتمع المعاصر أيضا.

الليبرالية السياسية بحاجة إلى استبصارات أخلاقية والتزامات جديدة، وهي تعترف بالدين بوصفه مصدرا ممكنا للتجديد، وفي الوقت نفسه يجب ألا يتخذ مثل هذا التجديد شكل لجوء مباشر للعقائد الدينية أو رؤى العالم الشمولية بطرق تغلق الجدل العام.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018