رحلة البحث عن عقد اجتماعي

جهاد المنسي

استخدم رئيس الوزراء عمر الرزاز عبارة (العقد الاجتماعي) أكثر من مرة منذ تسلمه موقع رئاسة الوزراء، ما بدا للمراقب أن الرئيس يفكر بشكل جدّي في تطوير العلاقة بين الشعب والحكومة، وهو تفكير إيجابي يمكن البناء عليه لاحقا والوصول الى صيغ توافقية مستقبلية.
ويعرف العقد الاجتماعي الذي تحدث عنه العلماء بأنه العقد المبرم بشكل فعلي أو افتراضي بين طرفين؛ كالحكومة والشعب، أو الحاكم والمحكوم، بحيث تحدّد بموجبه الحقوق الخاصة بكل فئة والواجبات المفروضة عليها.
ومنذ القرن السابع عشر، برز الكلام عن العقد الاجتماعي، وقد توصّل المفكر جان جاك روسو في 1762 إلى نظرية العقد الاجتماعي من خلال نظرته للطبيعة البدائية التي كان يعيشها الإنسان بحالة من العشوائية؛ حيث رأى أنّه كان لفرض القوانين التي نظمت حياة الناس أساس لزيادة شعورهم بحس المسؤولية والأخلاق، إلى جانب الالتزام المدني.
ويعد روسو من الرواد في تطوير هذا المفهوم والتأسيس له رغم أن الفكرة نوقشت منذ الأزل من أيام أفلاطون وغيره، وجرى عليها تطوير وتحديث، بيد أن روسو استطاع أن يحدد مفهوما دقيقا للعقد الاجتماعي، والتأسيس له.
لا نريد الخوض في كلام الفلاسفة عن العقد الاجتماعي ونظرتهم له، ولكن جميعهم أكدوا أنه يقوم على فكرة سيادة القانون على الجميع، وتعزيز الدولة المدنية الحديثة بما ينتج عنه مجتمعات تقبل بالقانون كفيصل بين الناس، وبما يؤمن دولة مدنية ترفض الواسطة والمحسوبية وتحارب الفساد بكل أشكاله وأنواعه.
إذا دعونا نؤسس لأمر مهم مفاده أن فكرة العقد الاجتماعي تنطلق للتأسيس للفكر المدني، وسيادة القانون والعمل به، والتأسيس لدولة القانون، وفرضه على الجميع من دون استثناء، ومن دون النظر لاسم الشخص وموقعه وخلفيته ومعارفه، وهو أيضا الانتقال من فكرة الدولة الرعوية الى الدولة المدنية التي يسود فيها القانون والتي يتم بموجبها محاسبة الحكومات من طرف الناس ومراقبة أدائها من قبل البرلمانات المنتخبة.
الرئيس عمر الرزاز، أكد في أكثر من مناسبة، أهمية التركيز على موضوع العقد الاجتماعي في المرحلة المقبلة، وقدم جزءا من تصوره لذلك، فقال إن العقد الاجتماعي يعني التركيز على الحقوق والواجبات ومنظومة مؤسسات محكومة بأنظمة، وولاية عامة، وننتقل من النظام الريعي إلى النظام الإنتاجي، وأن يكون المواطن هو العنوان ومركز كل العمل التنموي ومنح الإنسان حقه في الخبز والحرية.
ويرى الرجل أن دولا عربية فشلت في بناء الهوية الوطنية الجامعة التي تنضوي تحتها كل الأطياف والأعراق وكل الجهات والمنابت والأصول، وأن دولاً أخرى في العالم تجاوزت هذه القصة منذ زمن، فيما بقي عالمنا العربي محكوما بهذا الأمر ويصارع نفسه ويتشظى، وهو يتحدث بذلك ويستحضر ما جرى هنا وهناك لتأكيد حاجتنا الراهنة لعقد اجتماعي يبعدنا عن ملعب دول عربية ويدخلنا في ملاعب أخرى أكثر حرية وانفتاحا.
لا أعتقد أنني مختلف إطلاقا عما يراه الرئيس الرزاز وما يصرح به حول الموضوع، ولا أعتقد أن ذلك يمس جوهر الدستور، وإنما يعني حاجتنا لتطوير أدواتنا وقوانيننا بما يخدم هدفنا الذي يتوجب التوافق عليه والعمل للوصول اليه.
فالدستور، في نصه، يعتبر أن الأردنيين أمام القانون سواء، وهو في ذلك ترك مساحة واسعة لإقامة عدالة وديمقراطية ومحاسبة وسيادة قانون ونبذ الواسطة والمحسوبية واحترام الرأي والرأي الآخر ونبذ كل فكر متخلف أو إقصائي أو رجعي أو إقليمي أو طائفي، والدستور في نصه يؤسس لهذا المسعى الذي تحدث عنه الرئيس الرزاز.
إذا، نحن اليوم بحاجة لمن يؤمن بذلك ويسعى لتنفيذه، ويؤسس له قولا وفعلا، ويؤمن أن فكر العطايا والقفز على القانون لا يمكن أن يسهم في بناء الدولة الحديثة التي نريدها والتي نسعى للوصول اليها.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018