أهلا درعا.. طال الغياب

جهاد المنسي

عادت درعا لحضن الدولة السورية بعد سبع سنوات عجاف، عرفت فيها كيف يتعامل الإرهابيون مع السكان الأصليين وطرق ترويعهم، وخبرت حقدهم وسوادهم الداخلي والخارجي، وعرف الناس في درعا أن الوطن مهما شذّت الرؤى لا خلاف عليه، وأن مخططات الدول الإقليمية لم تكن يوما حرية وعدالة لأهل البلد بقدر ما كانت تهدف منها إلى فصل الجنوب السوري عن الدولة، وإنشاء منطقة عازلة تكون مهمتها بالمقام الأول حماية الكيان الصهوني كما فعل جيش لبنان الجنوبي بفترة من الفترات قبل أن يتم كنسه من قبل المقاومة اللبنانية.
لا كلام كثيرا يقال، ولكن المهم أن يتم استخلاص العبر مما حصل، وأن يعي الجميع أن جمال العبارات التي ترفع أحيانا قد تكون وراءها أفكار شيطانية، وأنه ليس كل ما يصرح به علنا، يُعمل به سرا، وأن الجمل الجاذبة كالعدالة والحرية والديمقراطية يكون هدفها تجميل القبيح الذي يراد لاحقا لهذا البلد أو ذاك.
الديمقراطية والحرية لا يمكن أن تأتيا يوما عبر حراب الولايات المتحدة أو الكيان الصهوني، أو بعض الدول العربية، فأميركا لا تريد لهذه المنطقة ديمقراطية حقيقية، وإنما تريد دولا لا ضير إن كانت دكتاتورية، المهم أن تنفذ أهدافها ومطامعها في المنطقة، والكيان الصهيوني لا يعنيه إلا أن يفتح خطوط تواصل مع المحيط من دون النظر لطبيعة الحكم بالمنطقة.
الحقيقة الثابتة أن الحرية والديمقراطية تصنعهما إرادة شعبية سلمية، ورؤية واضحة بالتغيير المنشود، إرادة شعبية نابعة من فكر حقيقي غير ملوث، ومشبعة بفكر تنويري حداثي وحضري، ورؤى تعرف خريطة المنطقة ولا تحيد عنها، وإرادة شعبية لا تتلاعب بها قنوات الأخبار كيفما تشاء، ولا تضلل من خلال فيديوهات مفبركة، ولا بصور كاذبة تستحضر من أجل زيادة تعاطف الناس.
الديمقراطية والعدالة اللتان نتحدث عنهما يصنعهما السوريون في الداخل وليس أولئك الذين يطالبون بـ(عدالة وحرية!!) من إسطنبول أو الرياض أو القاهرة، ولا يكلفون أنفسهم النظر لتحت أقدامهم ومعرفة إن كان المكان الذي ينشدون منه العدالة في سورية متحقق حيثما يجلسون أم لا.
عادت درعا للحضن السوري، وتحرر معبر نصيب من ثلة الإرهابيين التكفيريين الذين سكنوا فيه بضع سنين، وعادت درعا البلد وتطهرت من رجس أولئك التكفيريين الذين لوثوا الأفق وشوهوا عفول الناس وعاثوا في الأرض فسادا، وسيصل الجيش السوري الى الجولان المحتل، وستعود إدلب كاملة وكذلك الرقة وستخرج القوات التركية والأميركية من كل الأرض السورية، وسيبقى خروج القوات الأخرى كروسيا وإيران ورجال المقاومة اللبنانية الذين حضروا بطلب من الدولة السورية الشرعية مرهونا بما تريده الدولة، والتفاهمات التي تحصل، وهذا حق طبيعي لأي دولة بعقد تفاهمات والدخول في اتفاقيات دفاع مشترك، شاء من شاء وأبى من أبى.
أمام مشهد عودة الأرض لأصحابها، سيبقى أولئك البكاءون الذين يحرصون على ذرف الدموع على كل خطوة يتقدم بها الجيش السوري لاستعادة أرضه، سيبقون يشككون ويرفضون التسليم بالواقع ويكتبون عكس التيار وبخلاف ما يتحقق على الأرض، وسيبقى أولئك يمنون النفس بنهوض التكفيريين من جديد أو حدوث عائق سماوي أو أرضي يعيق تقدم الجيش السوري نحو تحرير أرضه وشعبه من رجس ولعنة الإرهابيين.
اليوم الوضع مختلف، وأعتقد أننا في الأردن علينا قراءة المشهد السوري بشكله الجديد، وأن نفتح حوارا معمقا وواسعا مع الدولة السورية، وأن نؤمن فتحا متوافقا عليه لمعبر نصيب الحدودي الذي من خلاله نستطيع أن نصل الى شواطئ البحر المتوسط في بيروت واللاذقية، وهذا سينعكس إيجابا على الإنتاج والتصدير والتجارة، وسيلعب دورا في إعادة دوران عجلة السيارات الشاحنة التي توقفت بلا عمل منذ سنوات، وبات أصحابها يعتصمون لأنهم مهددون بلقمة خبزهم جراء منافسة سائقي الخليج لهم، وتعذر حصولهم على التأشيرات اللازمة لدخول الخليج، فيما يستطيع الأردني دخول سورية وتركيا ولبنان بلا تأشيرة أو فيزا.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018