إعادة تعريف وتنظيم المجال العام

إبراهيم غرايبة

هبطت "الصناعة" بلا استئذان أو توقع وغيرت عالما راسخا لآلاف السنين من قبل ذلك، ومثلها تعصف الشبكية بعالم الصناعة، ولن تحتاج لأجل ذلك موافقة البرلمان! نتذكر جدالات التسعينيات في مناهضة العولمة، وكأنها (العولمة) سياسة أو قرار حكومي مثل قانون الضريبة على سبيل المثال! والحال أن مناهضي العولمة كانوا الأكثر انخراطا فيها، .. السلفيون الذين كانوا يحرمون الصور والتصوير أنشأوا سلسلة من الفضائيات، والإخوان المسلمون الذين وعدوا في برنامجهم الانتخابي العام 1993 بإصدار قانون لحظر التقاط المحطات الفضائية، وألزموا أعضاء الجماعة بعدم مشاهدة القنوات الفضائية صار لهم فضائيات كثيرة، واليساريون الذين وحدتهم مناهضة العولمة اعترفوا أن العولمة حالة ملائمة لليسار، وغيرنا اسم جمعية مناهضة العولمة إلى المنتدى الاجتماعي!
لا نتذكر اليوم ونحن نرفض مقولة العقد الاجتماعي الجديد وكأنها رجس من عمل الشيطان أننا تغيرنا كثيرا من قبل، ولا نلاحظ أننا نفكر بعد سنوات قليلة في اتجاه معاكس تماما لما كنا متحمسين لعدائه ومواجهته، ولا نعترف أننا كنا في نضال دون كيشوتي لا يختلف عن مواجهة وتحريم المنخفضات الجوية!  وعلى أي حال فلا بأس بتكرار القول والدعوة إلى الاستماع العميق ومشاركة العالم في عمليات الاستماع الطويلة الجارية اليوم لنفهم ونعيد فهم العلاقات بين مكونات الأمة (السلطات والمجتمعات والأسواق والأفراد)  وكيف تشكلت عبر المراحل والموارد، وكيف يمكن أن تتشكل اليوم في مرحلة جديدة.. وهذا هو العقد الاجتماعي الجديد!
المسألة على نحو عملي أن هذه العلاقات تتخذ طابعا أقرب إلى التسوية مستمدا من وعي الأطراف بمصالحها وأهدافها وقدراتها، هكذا على سبيل المثال تمكنت السلطة بفضل المطبعة أن تنشئ وعيا مركزيا بمجموعة من القيم والأفكار والاتجاهات، واستبعدت مجموعة أخرى من القيم والمعارف والاتجاهات التي لا تلائمها، وأمكنها أن تنظم هذه العمليات وتسيطر عليها بفعل سيادتها على حدودها وترابها، ثم ساعدتها وسائل الإعلام (الصحافة والإذاعة والتلفزة) والمدارس والجامعات على تكريس وتنظيم المجتمعات والمدارس والسيطرة على عمليات التنشئة والتوجيه،.. لقد انتهى ذلك كله اليوم، وتشكلت حاجة ملحة لإعادة تنظيم القيم والاتجاهات وفق مؤثرات وفرص جديدة تملكها أطراف فاعلة غير السلطة السياسية، العالم الخارجي، والمجتمعات والشركات والأفراد،...
السؤال على نحو واقعي وواضح، كيف تحدد السلطة اليوم القيم المنظمة للسياسة والمجتمعات والأسواق؟ وليكن السؤال على نحو أكثر واقعية وصراحة فإن السلطات بما هي الطبقة والنخب والحلفاء والشركاء تفكر وتسائل نفسها بإلحاح كيف تحتفظ بقدرتها على تمكين فاعل اجتماعي من التأثير بشكل غير متناسب على قرارات فاعلين اجتماعيين آخرين؟ كيف تحابي إرادة الفاعل المتمتع بالسلطة ومصالحه وقيمه؟
وبالطبع فإن الفاعلين الاجتماعيين الآخرين من المجتمعات والأفراد والجماعات والنقابات والتجمعات والمدن والمحافظات والمهمشين والمستبعدين من جنة السلطة وطبقتها المتحكمة يفكرون كيف يؤثرون في القرارات والاتجاهات والسياسات ويغيرون في اللعبة باتجاه مصالحهم وأهدافهم؟
العمليات المنشئة للعقد الاجتماعي الجديد تؤسسها مجموعة من الأسئلة التي تعمل وتؤثر شئنا أم أبينا في اللعبة، ماذا لدى الطبقات والفاعلين من فرص مؤثرة جديدة لم تكن متاحة من قبل؟ وكيف توظف هذه الفرص؟ كيف تدير السلطة ونخبتها اللعبة الجديدة باتجاه قدرتها على المركزية والتأثير الحاسم؟
تنظم السلطة المجتمعات والأسواق والأفراد بالقوة والمال والمعنى (الثقة والقيم)،  كيف تجري هذه العمليات في ظل التحولات التقنية والاقتصادية والاجتماعية الجارية اليوم؟ أو كيف يتشكل العقد الاجتماعي الجديد؟

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018