وقود الفساد.. الفقر والبطالة!!

المهندس هاشم نايل المجالي

 

كلنا يعلم أنه في كثير من قضايا الفساد المتعلقة بالتصنيع أو الترويج والتسويق والاستغلال يتم الاعتماد بشكل رئيسي على الفقراء والعاطلين عن العمل وأصحاب الأسبقيات والبلطجية كوقود رئيسي لتحقيق أهدافهم وغاياتهم. خاصة إذا كان الدخل المتأتي من المهام الموكلة إليهم يحقق طموحهم ويعيد ترتيب أوضاعهم المعيشية حتى ولو كان ذلك على حساب صحة الآخرين، فهو يرى أن المجتمع لم ينصفه والجهات المعنية همشته ولم تقدم الرعاية الكافية لتأهيلهم وتدريبهم وتعليمهم وتشغيلهم، وبالتالي فهو يتقبل أي وظيفة تعكس حقده على المجتمع.

فإذا ما حللنا آخر قضايا الفساد، وهي قضية الدخان المزور والتركيبة المخالفة للمواصفات والمضرة بصحة الإنسان أضعاف المعتمد عالمياً والتزوير والتسويق والترويج وزراعة المواد الضارة ووضع المكائن بالبيوت والمنازل في الأحياء الشعبية الأقل حظاً، فإننا نتلمس مدى اعتماد الفاسدين على عنصر الفقراء والعاطلين عن العمل واعتمادهم على شراء الزعران والبلطجية في حماية استثماراتهم بهذا المجال، كذلك الأمر لمروجي تسويق المعلبات المنتهية صلاحيتها من المصانع التي قامت بتغيير مدة انتهاء صلاحيتها وتوزيعها وبيعها بالمناطق النائية وبالأزقة وعبر الطرقات، فلقد كان أيضاً الاعتماد على الفقراء والعاطلين عن العمل؛ أي أننا أمام ظاهرة خطيرة إذا ما تم إيقاف استغلالها بأبشع صور الانحراف الإنساني والوجداني.

والأخطر من ذلك كله هو شراء الأعضاء مقابل المال؛ حيث تتم العمليات خارج الوطن، ولقد تم اكتشاف الكثير من الحالات، كل ذلك يستدعي وضع استراتيجية وطنية شعبية توعية وإرشاد وتحالف قيمي وأخلاقي لمنع تحول المجتمعات خاصة الفقيرة لبيئة خصبة لاستثمار الفاسدين بالصناعات والترويج لها.

إن الدول التي تبدأ في التنمية حديثاً تبدأ من حيث انتهى الآخرون من حيث الاستفادة من تجاربهم وخبراتهم وإنجازاتهم التقنية واتباع خطواتهم العملية للسير عبر المسار الصحيح لحل مشكلة الفقر والبطالة، وتدشين رؤية واقعية عملية على الأرض للانطلاق التنموي.

فإذا لاحظنا دولة كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وغيرها، استطاعت جميعها أن تحقق قفزات تنموية كبيرة بعد سنوات من التخلف في المجالات كافة لتضع قدميها في نادي الكبار من الدول المتقدمة، فكان التعليم المهني والتقني مدخلاً أساسياً لمحاربة الأمية ولتغطية احتياجات المصانع من العمالة الفنية الماهرة وتغطية الجوانب كافة لكسب المهارات وتعزيز القدرات الأساسية لبناء الإنسان الواعي المبدع المدرك الملتزم بالعمل والأخلاق، كذلك تم الاهتمام بالمعلم والمدرب ورفع كفاءته وتحسين أوضاعه لبث روح الطموح، كل ذلك يحارب الكسل واللامبالاة وإدمان الفشل المؤدي الى الفقر، فخلق أيدي عمل وطنية تنشد إتقان العمل والاجتهاد والمثابرة يستدعي وضع الخطط العملية أكثر منها النظرية واللغوية، فإذا ما قمنا بزيارة للمدارس في المناطق النائية لوجدنا مدى الضعف بالتعليم المهني المدرسي ولا يخضع الى استراتيجية تطوير الطالب لضعف الميزانيات المرصودة لذلك.

كذلك الأمر فيما يخص مراكز التدريب المهني التي تفتقر للمعدات والتجهيزات الحديثة وإلى المدربين المؤهلين لذلك ليبقى الوضع في كلتا الحالتين نظرياً وصورياً والتركيز على المراكز في المدن الرئيسية فقط.

وإذا ما لاحظنا الدول المتطورة في هذا المجال، لوجدنا أن هناك كليات جامعية ملحقة بالمصانع مواكبة للأنشطة الإنتاجية، كذلك كليات المزارعين والتعليم المهني المسائي، حتى إن المدارس الحديثة هناك أخذت طابعا تقنيا مهنيا ومدارس فنية ومختبرات العلوم والتكنولوجيا، وبالتالي تكون العملية التعليمية أكثر شمولاً للاختصاصات كافة وفق خطة وطنية وبناء بنية أساسية ابتكارية لجميع مراحل التعليم مبنية على الأهلية والاستحقاق معتمدة الجودة.

وخلاف ذلك، فإن رقعة اعتماد الفاسدين على أبناء المجتمع الفقراء والعاطلين عن العمل ستزداد ويزداد الانحراف ويكثر العنف بأنواعه والبلطجة وخلافه.

فدولة رئيس الوزراء وطاقمه الوزاري المعني عليه أن ينظم زيارات بدون تخطيط مسبق إلى المدارس والمراكز المهنية في المناطق النائية، والاطلاع على المعوقات والمشاكل كافة التي تحول دون توجه الطلبة للتعليم المهني والتقني كذلك المختبرات التقنية، وهي خطوة بالاتجاه الصحيح، أما اعتماد التخطيط المسبق للزيارات لصناعة التمثيليات الصورية الناجحة فإنها ستبقي التخلف والجهل كما هما عليه، وسيبقى الفاسدون يسرحون ويمرحون في استغلال أبنائنا في تلك المناطق.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018