دولة مدنية بلا مدن ولا تمدّن!

إبراهيم غرايبة

 

"إذا لم تكن جزءا من المجتمع أو كنت خارجه أو فوقه أو على هامشه فأنت خارج عليه".

حادثة الاعتداء على رجل الأمن ليست حادثة معزولة وفريدة، لكنها حالة سائدة من الاستقواء والتنمر على المواطنين في كل الاتجاهات والطبقات والمستويات، وتعكس أيضا ما هو أسوأ من ذلك، .. دولة بلا مدن ولا مجتمعات، ثمة سلطة سياسية هي أقرب إلى الطبقة أو هي طبقة بالفعل، ومجاميع كبرى من الناس ينتظم بعضها عشائر ومجموعات مصالح منفصلة عن الأسواق والموارد، .. وشيء قليل من النقابات، تكاد تكون مجموعات صيد ورعي جائر!

لا يمكن الحديث عن عقد اجتماعي من غير مدن ومجتمعات، ولا مدن ومجتمعات من غير منظومة من المؤسسات والعلاقات والموارد التي تشكل المدن وتشبك أهلها ببعضهم بعضا، فبغير هذه المدن ذات الولاية على مواردها وأولوياتها وأسواقها تتحول إلى سكان عابرين، ساحات لجماعات الصيد والرعي التي لا يربطها بالمكان سوى اللحظة القائمة.

ولسوء الحظ، فإن الإصلاح ليس أفكارا أو برامج أو فلسفات يمكن أن ندعو إليها ونتجادل فيها، وبالتأكيد ليس أيقونة جميلة نكرمها ونحملها معنا، صحيح أنه لا إصلاح بلا نظريات وأفكار وأيقونات، لكن ولشديد الأسف، فإن تطبيق هذه الأفكار ليس سوى منظومة من الشروط والمتطلبات والعلاقات، فلا معنى للانتخابات مهما كانت حرة ونزيهة وشفافة إذا لم يكن الناخبون يملكون مواردهم ويديرون ولاية حقيقية وحازمة على الموارد العامة ويتشاركون في الأسواق والأعمال والمصالح، لا مشاركة سياسية بلا مشاركة اقتصادية، ومن ليس جزءا من الإنتاج والموارد والأعمال فليس جزءا من الانتخابات العامة ولا الحياة السياسية، ومن ليس جزءا من المجتمع فهو خارج عليه.. يتساوى في ذلك الأغنياء والمتنفذون والمتعجرفون الذين لا يرون أنفسهم جزءا من المجتمع أو يرون أنفسهم فوقه مع المهمشين والخارجين من المجتمع كما الخارجون على القانون.. ذلك الذي يعتدي على رجل الأمن يتساوى جوهريا ونفسيا وحكما أيضا مع قاطع الطريق، وذلك المتعجرف المستعلي على المجتمع والمبتعد عنه في إقامته وحياته وأفكاره ومن يعتقد أنه ليس مكلفا بالمشاركة مع الناس في مشاعره وأفكاره وموارده.. جميعهم بلا فرق قاطعو طرق، .. لكن الكارثة الكبرى عندما يتحول قاطع الطريق إلى قيم على المجتمع والموارد والمؤسسات، وعندما تناط إدارة الموارد والضرائب بمثل هؤلاء، .. كيف يمكن الحديث عن إدارة عادلة وكفؤة للموارد والضرائب والخدمات العامة والأساسية إذا كانت موكولة إلى فئات لا ترى نفسها جزءا من هذا المجتمع؟

أسوأ ما يصيب الإصلاح ويعطله عندما لا تكون القيم العليا مثل الحريات والعدالة واستقلال المدن والمجتمعات مصلحة للمتنافسين من الطبقات والمكونات الرئيسية للدولة والمجتمع والأسواق.. في هذه الحالة يتحول الفساد إلى هدف مشترك متقبل ومتواطأ عليه، وتتحول أدوات الإصلاح مثل الانتخابات إلى حلقات شريرة ليست فقط تحمي الفساد وتغيب الحريات والعدالة لكنها تنتج نخبا وطبقات ومجتمعات تدافع عن الفساد والظلم باعتباره إصلاحا، ويتحول الفساد إلى مطلب جماهيري واجتماعي.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018